كتاب وأراء

زفاف الحب في وندسور

أحياناً ينجح أبناء المطلقين والمطلقات فيما لم ينجح فيه آباؤهم وأمهاتهم، فهذه الشروخ والندوب والتفككات الأسرية ليست جينات تورث بالضرورة من الآباء إلى الأبناء، بل على العكس أحياناً نجد أن طلاق الوالدين يتحول إلى مضاد حيوي في حياة الأبناء، فيتجنبون أن يعيشوا في جلباب أبيهم، أو تخرج البنات من قدر أمهاتهن بمفاهيم مختلفة، ويبحثون عن ترياق زواجي يجنبهم ما أصاب والديهم من طلاق، ويبحثون أيضاً عن سعادة زوجية لم يهنؤوا بمثلها حينما كانوا أطفالاً أو صبيانا في كنف والديهم
راودتني هذه الفكرة وأنا أتابع قبل أيام بشغف مراسم زفاف الأمير البريطاني هاري وزوجته الأميركية ميغان ماركل، متذكراً غضاضتي السابقة من طلاق والديه الأميرة ديانا والأمير تشارلز عام 1996، حيث كنت انظر بألم إلى مصير الطفلين وليام وهاري، بعد طلاق والديهما غير المتوقع، ثم بعد سنة واحدة من هذا الطلاق توفيت والدتهما الأميرة ديانا في باريس بحادث سير مع خطيبها دودي الفايد ابن رجل الأعمال المصري الشهير محمد الفايد.
ومن ثم مر الطفلان بحادثين مأساويين متعاقبين، أولهما طلاق والديهما، ثم وفاة والدتهما، ورغم ذلك اليتم المبكر في حياتهما كبر الأميران، وتزوج الأكبر وليام من كيت ماديلتون، وتزوج الثاني هاري، الذي اسمه بالأصل هنري، من ميغان ماركل.
ربما أن الجوع إلى حنان الأم، وافتقاد الأطفال إلى رؤية والديهما متحابين ومتناغمين ومنسجمين، يورثهم شيئاً من الأسى النفسي، والرغبة في تعويض هذا الحرمان، من خلال البحث عن حب حقيقي، ومن خلال السعي للارتباط بزوجة ربما ستلعب دوراً مزدوجاً في حياته، أي دوري الزوجة والأم، ليتدفق من جوانحها نهر من الحنان ليروي ظمأ العاطش إليه.
رحت أرقب الأمير هاري، فوجدت أن عينيه تفيض بحنان عظيم لشريكة حياته، وتتنوع انفعالاته في كل خطوة تخطوها، وأيضاً بينما كان أطفال من خلفها يرفعون أطراف ثوب عرسها الأنيق من على الأرض، وتمنيت أن يرفل هذان الزوجان في سعادة ومحبة دائمين.
آسرني أيضاً في هذا الحفل الكبير رؤية الأمير تشارلز، والد الأمير هاري، يصطحب العروس ميغان ماركل إلى ابنه، في مستهل مراسم الزفاف، وينيط نفسه بدور والد العروس، الذي اضطرته ظروفه الصحية، ومروره بفترة من النقاهة بعد جراحة أجريت له، إلى غياب قسري عن حفل زواج ابنته، فقام الأمير تشارلز بلفتة كريمة ووجيهة ومعبرة، حينما أدى دور الأب مرتين بهذا الحفل الكبير والأسطوري في قلعة وندسور والذي تابعته كل الدنيا، فرأى والد ميغان من على فراش النقاهة ابنته سعيدة بزواجها، وسعد الأمير تشارلز بزواج ابنه الثاني
ولفتني أخيراً أن الأمير هاري تزوج من امرأة تجري في عروقها دماء إفريقية وأخرى متعددة الأعراق، فالحب يقفز فوق كل الفروق البغيضة، ولا يعرف العنصرية الممقوتة.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي