كتاب وأراء

ذاكرة رمضان «5».. الحقيقة

في اعتقادي أن الفنان أهم من السياسي، وأن المثقف أهم من الوزير في الأزمات، لأن الفن والثقافة عموماً حالة صدق أو من المفترض أن تكون كذلك، في حين أن السياسة حالة ظَرف. الفن والثقافة هما الوسط الإنساني الضروري الذي يجب أن يُترك دونما تدخل من الجانب السياسي ليبقى الباب مفتوحاً للعودة إلى الحالة الطبيعية بعد اختفاء الظَرف. كم من الشعوب خرجت من أزماتها عن طريق وجود الثقافة كحالة مستقلة داخل المجتمع مع إنها انعكاس لواقعه الاجتماعي، كم من الشعوب وجدت حلولاً لأزماتها مع الآخر عن طريق الواقع الثقافي والفني الحر والمستقل الذي كانت تعيشه تلك الشعوب، عندما يجد السياسي مأزقاً يلجأ إلى المثقف ليأخذ منه وليستمع إلى رأيه، لذلك بقاء الثقافة والفن بمعزل عن الأزمات السياسية ضمانٌ للمجتمع، كنت دائماً على إيمان بأن الفن هو طريقنا نحن الشعوب في مواجهة الاستبداد والطغيان، كنت دائماً على إيمان بأن الفن بمفهومه الواسع هو ما يجمع شعوبنا من المحيط إلى الخليج وليس السياسة، وقف سارتر ضد استعمار فرنسا للجزائر، ووقفت جين فوندا ضد حرب فيتنام، الفن مؤثر جداً عندما يكون مستقلاً وحراً، إذا قبضت الدولة على الفن فأعلم بأن المصير أسود لأنك أقفلت الطريق أمام الخيال وعاشت الواقع الضيق بكل تفاصيله، لذلك نرى الأنظمة التي صادرت حق الفنان وعملت على تجبيره زالت في طريقها إلى الزوال، التحق الفيلسوف هايدغر بالنظام النازي أيام هتلر مسايرة لوضعه كأستاذ ومدير للجامعة فخسر سمعته على الرغم من تفرده المذهل بخطة الوجودي والذي نهل منه الكثير بعده، ووقف دريد لحام في صف طاغية دمشق الأمر الذي أفقده مكانته لدى الشعب العربي، وكان صدام حسين بعد غزوه للكويت يبحث عن فنانيها ومثقفيها إدراكاً منه لأهمية الفن كحامل وكلاحم يجمع أجزاء المجتمع، لذلك تسير مجتمعات الاستبداد إلى حيث حتفها عندما تصادر حق المجتمع في التعبير عن ذاته فنياً وثقافياً، الإنجاز الكبير للمجتمعات الغربية أنها أوجدت مساحة بين النظام السياسي وحركة المجتمع الثقافية والفنية، إيماناً منها بأن ذلك في صالح المجتمع وفي صالح النظام أيضا لتعديل مساراته وإيجاد الحلول، لماذا الفن ودور الفنان مهم جدا في الأزمات لأنه يقول ما كان يُخفيه المجتمع «في الأيام الرتيبة. هو وعد بالحقيقة التي يبحث عنها الجميع.

بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر