كتاب وأراء

أساليب التضليل المعرفي وعواقب التجهيل الجماهيري

مثل أشياء كثيرة تطورت في الخمسين أو حتى المائة سنة الأخيرة، فقد ازدادت المعرفة كماً لكنها تعرضت من حيث الكيف لتضليل مستمر، ما جعل مصادرها المتعددة تعجز عن نقل المجتمع من فوضى الجهالة إلى مسؤولية الدراية. ومثلما أن المستشفيات والطرقات والمسارح والمطارات والمحلات ارتفعت في أعدادها، فقد ازداد عدد المدارس والصحف والجامعات ومراكز البحوث والقنوات الإخبارية ودور النشر ومختلف وسائل إنتاج ونقل المعرفة.
لكنها كانت زيادة حسابية لم تحدث ذلك التحول النوعي العميق في المجتمعات العربية قاطبة.
لقد استطاعت أوروبا بدون قنوات فضائية أو انترنت أو بيوت خبرة استراتيجية أن تطلق عصراً ثرياً من التنوير قلب وجه الحياة فيها رأساً على عقب. أما في المنطقة العربية وفي مناطق أخرى تشاركها ظروفاً مشابهة، فلم تنجح وسائل المعرفة، على كثرتها، في جعل تنوير العقل غاية يجتهد المجتمع من أجلها أو حتى في تقديم مستوى محترم من المعرفة. فالمعرفة المقدمة للناس حتى لو كانت سليمة في محتواها إلا أنها لن تقنعهم ما لم تقدم لهم بشكل لائق. فما بالنا إذا كان ما يقدم لهم على أنه معرفة هو في حد ذاته محلاً للتزوير واللبس.
وقد أصبح للتضليل المعرفي في عالمنا العربي منتجون ورعاة كثر. هناك دول تستثمر فيه لتلهي الجماهير وذلك عن طريق صحف وقنوات تليفزيونية ينفق عليها بسخاء. وهناك مثقفون يزعمون أنهم بحثوا وأنتجوا معرفة رصينة في حين أن أكثر ما يقدمونه لا يزيد عن خطابات أيديولوجية عفى عليها الزمن. وهناك مطابع تُصدر كتباً ومجلات وصحفاً صفراء كثيرة. ثم أضيف إلى كل ذلك وسائل تواصل اجتماعي متعددة وقعت في أيد غير مدربة لا على استلام المعرفة ولا على تناقلها، أياد تحركها عقول انطباعية غارقة في حب الإثارة، ما أن تتلقى خبراً غير موثق إلا وتعيد بثه وترويجه.
ومع زيادة أعداد منتجي المعرفة انفتحت نوافذ عديدة على مصراعيها أمام أنصاف متعلمين وانتهازيين ومرتزقة وأصحاب هوى، كل منهم يدعي أنه يساهم في توعية الناس وخدمتهم وتعريفهم بما يجهلون. وهم في ذلك يستعملون أساليب لئيمة للتضليل المعرفي تشمل من بين حيل كثيرة ثلاث طرق أساسية هي الاختلاق والاجتزاء والتشكيك. هناك أولاً الاختلاق أو جملة الأخبار اليومية المزيفة التي تفبرك وتُدس لتنقل للناس روايات مكذوبة عن أشياء لم تحدث وتغرس في أذهانهم صوراً مغلوطة عن تصريحات لم تقال ولقاءات لم تنعقد وصفقات لم تتم وهجمات لم تحدث. وتمارس مثل هذا الدس والاختلاق وجوه لا تخجل، غالباً ما تعمل تحت رعاية وحماية مؤسسات قوية. وذلك أمر على جانب كبير من الخطورة عندما نرى أن تجهيل الناس يجري تحت إشراف مؤسسات يُفترض أنها ترعى التنوير.
أما أسلوب الثاني أو الاجتزاء فيعمد إلى نشر أنصاف بل وأرباع الحقائق حتى يبدو ما يقال أو ينقل على أنه صحيح. فالمعلومة الناقصة لا تنشر إلا من أجل إثارة الريبة في نفوس الناس ودفعهم إلى السير في الاتجاه الذي يريده من يروجها. ويبقى الأسلوب الثالث أو التشكيك وسيلة أخرى تتعمد خلط المعلومة بالرأي والخبر بالتحليل ليقدم من خلاله أصحاب الهوى الأرقام والأحداث على أنها الحقائق وليست مجرد صوراً عنها.
ولأن المعرفة هي القدرة، كما يُعرفها الفيلسوف الشهير «أوجست كونت»، فلم يكن غريباً أن تنتشر فنون التضليل المعرفي على نحو خاص في المناطق التي يُحرم الناس فيها من امتلاك القدرة على العمل لتغيير الوضع الراهن. هي مناطق تكره المعرفة وتحاصرها وتفرض عليها قوانين صارمة تحد كثيراً من حق الناس في تداول ونشر المعلومات. مناطق يُحاسب فيها التواقين والمتطلعين إلى المعرفة. مناطق يدرك النافذون فيها خطورة المعرفة فيتحدثون في الظاهر عن حماسهم من أجلها لكنهم لا يتورعون في الباطن عن فرض كل ما ينتهي بالمجتمع إلى حالة من التجهيل الجماهيري ليصبح أنصاف المتعلمين فيها ظاهرة ويضحى نصف العلم فيها أخطر على الناس من الجهل نفسه.
ولا يبتعد استغراق تلك المناطق في التضليل المعرفي عن غرقها في الاستبداد. فالأخير لا يحب المعرفة ولا يشجع عليها ولا يقبل منها إلا الشكليات والمظاهر. الاستبداد لا يخشى أبداً من المجتمع الجاهل بل يفضله ويعرف كيف يصنعه. بات مدرباً على أن يقدم التعليم للناس دون أن يكون لذلك أثراً على سلوكياتهم وأساليب تفكيرهم وتصرفاتهم. ولهذا فإنه من شبه المستحيل أن تنشأ في أي منطقة تنتشر فيها أساليب التضليل المعرفي ويتفشى فيها الاستبداد مجتمعات قوية فاعلة. لن تنشأ إلا مجتمعات هشة تعيش حالة مزرية من الجهالة الجماهيرية مهما تعلمت أو تعددت فيها منافذ المعرفة.


بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات