كتاب وأراء

الراهبة ماري بول


في الخامسة من عمري طاف أهلى «كعب داير» على مدارس مصر الفرونكوفونية جمعاء بحثًا عن مكان لي بإحدى تلك المدارس أملًا في إلحاقي بالصف الأول الابتدائي، وهو ما قوبل بالرفض من جميع إدارات المدارس، حتى أنني ذهبت لمدرسة كانت أمي وخالاتي يدرُسن فيها طمعًا في أن تشفع لي دراستهن السابقة لأن أرث إحدى مقاعدهن القديمة، لكن هيهات. ذات مرة، ذهبت لعمل اختبار وكانت الممتحنة راهبة شابة، رقيقة وجميلة اسمها «سور ماري بول» كانت تحادث أمي بفرنسية كنت أجهلها بذاك العمر، لكني عادة كنت ألتقط علامات الرفض من إشارات التجهم وملامح العبوس على الوجوه. الطريف أن «سور ماري بول» لم تتجهم كما لم تقطب، بل في نهاية اللقاء، لاحظت ابتسامة رضا من أمي فخِلت أنني لمحت القبول، وقد التقطت من حديث الراهبة ذكرها «للرئيس السادات». اتسعت شفتا الراهبة بابتسامة عريضة، ردتها لها أمي ببسمات أعرض، ففطنت أنني أخيرًا حصلت على مقعد دراسي بالمدرسة، فقفزت حتى التقطُ عنق الراهبة وأوسعتها عناقًا عنيفًا، وأمطرتها بقبلات وبـ«مرسي» الفرنسية، حيث أخذت أكررها كونها كانت جُل حصيلتي من الفرنسية آنذاك. لوهلة انتاب الجميع حالة من الوجوم، ثم اقتربت مني والدتي وسألتني عن سبب معانقتي للراهبة. أجبت: لأنها الوحيدة التي قبلت التحاقي بالمدرسة. قالت: كلا حبيبتي، لقد حدث سوء فهم، فقد كانت الراهبة تُقسم أنه حتى لو أحضر والدك خطاب توصية من الرئيس السادات فإنها لن تقبلك. صدمت، فمضيت خزيانة نحو الباب، وإذ بالراهبة تناديني بعربية سليمة: داليا، لقد تم قبولك في المدرسة، كل ما أريده منك أن تأتي لي أول يوم دراسة لمعانقتي، ولسوف أنتظرك. عدنا للدار ومعنا الفرحة العارمة، ومضى أبي يروي قصة التحاقي بالمدرسة للجميع، بل ظل يفاخر أن ابنته الألمعية «السابقة سنها» استطاعت الالتحاق بالصف الأول وهي دون السادسة لمجرد عناق صادق أهدته لراهبة أشفقت عليها من الإحراج.
- يبدو أنني تأخرت باليوم الأول في المدرسة، فحينما ذهبت للبحث عن «سور ماري بول» لمعانقتها، أخبروني أنها تركت الدير.. وتزوجت.
مضت الأعوام بل مضى العمر جله، فلاحظت أن كل شيء جرى لي من بعد تلك الواقعة حدث متأخرًا.
- فقد تأخر زواجي حتى سن السابعة والعشرين كما وتأخر إنجابي ست سنوات بعد الزواج.
- تأخرت في معرفة موهبتي والجزء المضوي في شخصيتي، بل عشت دهرًا أبحث عن ذاتي حتى تيقنت أنني خلقت للكتابة بعدما التحقت بأعمال إدارية ومكتبية حتى أنني عملت في حضانة وتعلمت العزف على العود والتحقت بدورات لتعليم اللغة الإسبانية.
- تهت في الدرب وتأخرت طويلًا حتى تحصلت على وظيفة صحفية بوكالة أنباء الشرق الأوسط رغم أني خريجة كلية الإعلام قسم الصحافة!
- تأخرت في تعلم الطبخ وتأخرت أكثر في إتقانه.
- لم أشتر سيارة إلا بعمر التاسعة والثلاثين.
- أحببت القراءة لكن تأخرت في معرفة أفضل الكُتّاب.
- كتابي الأول «حكايات لباقي العمر» لم يصدر إلا وقد تخطيت الأربعين.
- تأخرت طويلًا في فهم الناس وفي ضرورة انتقاء محيطي ومن أدنيهم ومن أقصيهم ومن أختصرهم ومن أختزلهم.
- بالفعل تأخرت في معرفة مفاتيح شخصية زوجي وكم تأخرت في معرفة كيفية تجاوز المشكلات وتخطيها وكأنها لم تكن.
-تأخرت أكثر في اتخاذ قرارات بشأن الحسم في تحديد الأولوليات في الحياة ومن ثم ضاع الكثير من الوقت، عفوًا ضاع الكثير من العمر.
- تأخرت في معرفة ما يناسبني من ملابس وما يناسب بشرتي من مساحيق، ما كان يوقعني في شراء ما يفيد وما لا يفيد، ما يلائمني وما لا يلائمني.
- لقد عشت دومًا من المتأخرات، ليت والدي لم يفاخر بأن ابنته سابقة سنها. وآه من عناد الأقدار.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي