كتاب وأراء

حتى لا ترحل الذكريات (5)

كانت أغرب وأكثر زيارة إثارة قمت بها في حياتي هي تلك التي حملتني عام 2008 إلى كوريا الشمالية، نعم كوريا الشمالية بلد كيم جونغ اون ووالده كيم ونغ ايل وجده كيم ايل سونغ، ذلك البلد المغلق الموصد أمام الزوار الذي يخال للكثيرين أنه ينتمي إلى كوكب آخر والذي أكاد أجزم ان 95 % من سكان الارض يعتقدون انهم قد يزورون القمر قبل ان تطأ اقدامهم ترابه!
اقول إنها كانت الزيارة الاغرب ليس فقط لأنها تتعلق ببلد يرى الكثيرون انه ينتمي إلى عصر مختلف ومرحلة مختلفة، بل لأن الزيارة تمت دون علم مسبق ودون حتى ختم دخول أو خروج على جواز سفري!
كنت في كوريا الجنوبية آنذاك لحضور برنامج مدته 40 يوما أعدته وزارة الخارجية الكورية الجنوبية لإعداد عدد من الصحفيين من دول مختلفة ليكونوا مختصين في شؤون شبه الجزيرة الكورية، وقبل انتهاء البرنامج بنحو 10 أيام فاجأنا المضيفون بخبر غير متوقع، فنحن سنزور كوريا الشمالية لمدة 3 أيام بعد الاتفاق مع الجانب الآخر وسنقيم في منشأة سياحية بنيت داخل كوريا الشمالية بتمويل من الجنوب، فيما يبدو انه جهد من قبل سيئول لمساعدة بيونغ يانغ على الانفتاح على العالم الخارجي.
في يوم الزيارة الموعود وبعد ان طلب منا ترك هواتفنا المحمولة واجهزة اللابتوب في الفندق حملنا الباص إلى الحدود بين البلدين في رحلة استغرقت زهاء 5 ساعات إلى مدينة حدودية في اقصى جنوب شرق كوريا الشمالية، قضينا الليلة في نزل صغير في الجانب الكوري الجنوبي، وفي الصباح جمعنا مضيفونا في ردهة الفندق ليعطونا تعليمات مشددة يجب تطبيقها بحذافيرها قبل الدخول إلى كوريا الشمالية حتى لا تتحول الزيارة إلى كارثة «على حد وصف أحدهم»:
يمنع التحديق في الجنود، أو التقاط الصور الا عندما يسمح بذلك، يجب الانحناء عند المرور بصور وتماثيل القادة، لا يسمح بالحديث مع المواطنين العاديين تحت أي ظرف من الظروف، يجب اظهار احترام بالغ في كل الاوقات، وهو ما خلق جوا من التوتر حتى قبل الزيارة.
صعدنا إلى الباص وتوجهنا إلى الحدود، ومن الجانب الجنوبي عبرنا إلى الشمال دون ان يتم ختم جوازات سفرنا بل حصلنا على تصريح منفصل عليه اسماؤنا وصورنا واسماء الدول التي قدمنا منها، وقد طلب منا ان نعلق هذه التصاريح على رقابنا طوال الوقت والا نخطو خطوة واحدة بدونها.
بعد مسيرة بالباص استغرقت ثلث ساعة تقريبا وصلنا إلى الجانب الشمالي، وبطبيعة الحال لا يمكن وصف المشاعر التي انتابتني آنذاك وان كانت مزيجا من الترقب والخوف والاثارة، وبمجرد ان قام جندي كوري شمالي بفتح الحاجز الحدودي إيذانا بالسماح لنا بالدخول، حتى ادركت انني ازور مكانا يختلف عن أي مكان آخر زرته في حياتي.. وهو ما سأتحدث عنه في زاويتي المقبلة الاسبوع المقبل بإذن الله.

بقلم : لؤي قدومي

لؤي قدومي