كتاب وأراء

ذاكرة رمضان

مع قدوم «رمضان»، كانت تجتاح الناس حالة من البحث و«التّحرّي»، رؤية هلال الشهر كانت قضية تشغل بال المجتمع وتصبح السماء مجالاً للنظر وعادة «ليلية» دائمة؛ الجميع الشيوخ والرجال والنساء والأطفال، حالة بحث و«تحرّي» الهلال الضيف.. أذكر أحد الاخوة الذي كان يختار «الحزم» التلة القريبة للنظر إلى السماء بحثاً عن هلال رمضان وسمعت عن أحد يحمل بطانيته وينام تحرياً له فوق المرتفع القريب، السماء كانت صافية، التلوث بالكاد يكون موجوداً الريان قريةٌ هادئة ليس فيها ضجيج أو، ازدحام، ابتسامة الإباء بود في وجوهنا مع دخول الشهر كانت عنواناً لنا للاجتهاد والمثابرة في هذا الشهر الفضيل وكأنهم يشيرون إلى أننا أمام تجربة جديدة وهي الصوم طول نهار رمضان، وكان بعضهم يشير للصغار منا الذين لم يكلفوا بعد أن تصوموا نصف النهار أولاً ورويداً تصوم اليوم كله، كم مرة صاح أحدنا رأيت الهلال فإذا به طيف خيال أو نجم آخر أو شعرة في عينه، نفرح بثبوت رؤيته ولكن لا أذكر مرة أننا كنا من فعل ذلك، ومع ذلك كنا شغوفين ومصرين كل عام على المحاولة، بعد صلاة مغرب اليوم الأخير في رمضان من كل عام.
كان الراديو ملك الخبر المتوج، نلتصق إليه حتى نسمع الخبر ثم تبدأ التهاني والتبريكات وأحياناً «الجراخيات»، التليفون أيضا كان له دور في توصيل الخبر لكل ذي رحم من الأهل والأصدقاء وأحياناً نخرج إلى سكيك الفريج وكأننا نعيش عصراً جديداً يبدأ مع شهر الصوم، أفسدت كل هذا التكنولوجيا واختزلت فرحتنا بالبحث عن الهلال لتقدمها إلينا كسلعة من خلال المناظير الفلكية التي تحدد ولادة الهلال مقدماً بفترة طويلة، وأفسد العمران سكينتنا ورؤيتنا إلى السماء الصافية، وأفسد الازدحام خلوتنا بحثاً عن الهلال في أطراف القرى والفرجان.
كما كان تدشين المساجد بالميكروفونات ومكبرات الصوت إيذاناً بدخول المسجد العصر الإذاعي حتى أن بعض أئمة المساجد ينسى مهمته ليتحول إلى مذيع من كثرة استخدامه لمكبر الصوت دون مبرر. تذكرت رمضان الأول حينما كنا نبحث عنه بحثاً، كما تذكرت هلال رمضان الأول الذي كنا نقصده تحرياً وأنا أشاهد شباب اليوم وهم يبعثون بالتهاني إلى بعضهم البعض عبر الواتساب وهم على الأرائك متكئون، أدركت كم تبدل الزمان وتغير الإنسان، فرمضان هو رمضان، لكن إنسان رمضان تغير ولله الحمد من قبل ومن بعد.
بقلم:عبد العزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر