كتاب وأراء

..لوبي الأتباع

إن أردت ألا يختلف معك أحد فلا تفعل شيئا ببساطة..
لا تبدِ رأيك، ولا تسـع للظهور، ولا تـحاول إصلاح الكون..
فبمجرد أن تطل برأسك سيختلف حولك الناس ما بين مـؤيـد محب، ومتطاول كاره..
سيحكم عليك الناس (ليس من خلال أدلتك أو تقـييم رأيك بشكل نزيـه ومحايد) بــل من خلال هل أنت معي أم ضدي..
التهم جاهزة بمجرد أن تقول رأيك في هذا الشيء أو ذاك.. قد تجد نفسك فجأة متطرفا أو متشددا أو علمانيا أو ليبراليا بحسب الإنسان الذي يقيّمك.. تهمتك جاهزة للقص واللزق قبل أن تكمل حديثك ــ وللنشر والتداول بمجرد أن تكمل حديثك..
يوجد في تراثنا الفقهي ما يدعى سلطة الأتباع أو العـوام أو العيارين.. وهي سلطة ضغط وتهديد يقوم بها (بالنيابة) طلاب وأتباع أشد تعصبا من مشايخهم.. ليسوا جهلة بالضرورة إنما يغلب عليهم التمظهر والتشدد وضيق الأفق وتقديس الأشخاص وتكفير المخالفين.. يعتبرون أنفسهم أوصياء على الدين رغم أنهم لا يعرفون منه إلا الجانب الذي ألفوه ونشأوا عليه.. وصفهم شيخ الحنابلة علي بن عقيل بقوله: «هم قوم خُشـُن الطباع، تقلصت أخلاقهم، وغلب عليهم الجد، وقل عندهم الهزل، وفزعوا عن الآراء إلى الروايات، وتمسكوا بالظاهر تحرجاً من التأويل، وغلبت عليهم الشناعة والتنكيل لإيمانهم بظواهر الآيات دون تأويل»..
ابحث في جوجل عن محنة الإمام الطبري (صاحب التفسير القرآني المعروف) مع الحنابلة لتكتشف أن مشكلته لم تكن مع الإمام أحمد بن حنبل، بـل مع أتباعه الذين حاصروه في داره ورشقوه بالحجارة ومنعوه من الخروج حتى مات ودفن فيها.. ونـفس التضييق حدث مع الفقيه أبو عبدالله المحاسبي الذي حبس نفسه في داره خوفا منهم حتى مات ولم يسر بجنازته غير أهل بيته ــ خوفا من العوام.. حتى الإمام البخاري لم يسلم من إيـذائهم وإهانتهم (وكانوا يلاحقونه وبأيديهم الحجارة ليسألوه عن رأيه في القرآن هل هو مخلوق أم منزّل) فأصبح يهرب من مدينة إلى مدينة حتى سأل الله أن يقبض روحه...
حين تتأمل سير العلماء أنفسهم تجدهم يختليفون بأدب ويتحاجون بتسامح.. أما الأتباع فـلا يرون في اختلاف العلماء رحمة، بــل كفرا وزندقـة يرمون بها الطرف المخالف..
في القرن الرابع اختلف علماء بغداد حول تفسير قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) دون أن يعيب أحدهما على الآخر.. غير أن أتباع الطرفين أججوا فتنة أحرقت بيوتا وأزهقت أرواحا ــ وكل هذا بسبب تفسيرين يبدآن بفعل الرجاء وينتهيان باتفاق المفسرين على نيـل نبينا محمد مقاما لـم يـنله أحد من العالمين!
هؤلاء الأتباع لا هـم لهم غير تأجيج الفتن وتحريض الناس ولا يهدأ لهم بال حتى تسيل دماء المسلمين.. يظهرون في كل زمان ومكان لأن التبعية والتطرف طبع إنساني وخلق بشري (وهذا سر تواجدهم إلى اليوم في ساحات الانترنت والواتسآب)..
.. وفي أيامنا هذه يتعرض كل من يطرح رأيه علنا للإساءة والتطاول أكثر من الصامت الذي لا يعـلم بوجوده أحد.. خذ كمثال الإعلاميين والوعاظ الذين يطرحون (بحكم المهنة) آراء علنية كثيرة بحيث يمكن (لمن يريد) اختيار ما يراه مناسبا للتحريض عليهم.. علنية الطرف الأول، وحماس الطرف الثاني، تسهلان مهمة العثور على نقاط خلاف تؤجج الفـتن وتشعل الصدور رغـم بساطة السبب الحقيقي..
لماذا لا نقيّم الآراء والأفكار بمعزل عن أصحابها؟
لماذا لا نتقيد بالمقولة التي نكررها دائما «الاختلاف لا يفسد للود قضية»؟
لماذا نتشدد لأي طرف طالما اتفقنا بأن العصمة للأنبياء، والقدسية فقط لما ما قال الله وقال الرسول؟
.. لن تختفي سلطة الأتباع حين يدرك الجميع هذه الحقيقة..
.. حتى يدرك العوام أن الآراء البشرية لا تملك عصمة أو قدسية.
فهد عامر الأحمدي

فهد عامر الاحمدي