كتاب وأراء

هل يأكل الحصار أبناءه؟

كيف يمكن أن نفهم الحصار بعيداً عن محورية «الكلي» الذي أنتظم فيها عقد مجلس التعاون الخليجي؟ بحيث لو أسقطناه لا يبقى هناك سوى، قطري وسعودي وبحريني وإماراتي.. كيف يمكن أن نفهم الحصار بعيداً عن الشعب الواحد والتاريخ المشترك والمصير المشترك؟ كيف نسعى إلى التفسير ولم نسع إلى التغيير؟ أسئلة كثيرة تطرحها أزمة الحصار، المجتمعات لا تموت ولكنها تمرض وأشد أمراضها هو انتفاء الإرادة أو تبني الإرادة السلبية، أزمة الحصار هي أشد أعراض مرض المجتمع الخليجي الذي غُيبت فيه الإرادة بشكل كبير إلى حد أن أصبحت الإرادة السلبية هي الإرادة الوحيدة الممكنة والمتاحة إنها إرادة تقوم على التعصب والدين والعقيدة واقعاً تتحرك من خلاله، إنها إرادة عمياء، فاعتبار مركزية الفرد حين قيام الدولة جزء لا يتجزأ من الإرادة الكلية للمجتمع أمرٌ مهم فلا يتخلى الفرد هنا عن جزء من حريته ولكن يتخلى عن جزء من إرادته السلبية العمياء هل مر تاريخنا في دول الخليج بهذه المرحلة التي يعتبر في الإنسان وعي وإرادة؟ من الصعب أن نفهم أزمة الحصار بعيداً عن أن نفهم أساس قيام الدولة في منطقتنا، أزمة الحصار هي أشد الأمراض التي أصابت الدولة في منطقتنا، لأسباب لدى المحاصر وأسباب لدى المُحاصَر كذلك، كل ما في الأمر أن العالم كان في غفلة عنا سابقاً أو كان يسمح لنا كدول أن نمارس نوعاً من السيادة المجيرة لمصالحه، لكن وصل به الوقت إلى حد أن يستثمر فجوات التاريخ والجغرافيا التي لم تتمكن الدولة منذ قيامها على سدها وجبرها، فغياب النظرة الشمولية لمنطقة واحدة عرقاً وديناً وتاريخاً لمصلحة أهواء شخصية ضيقة وشعارات أيديولوجية لهويات قبلية وطائفية، جعل من إمكانية تثوير المنطقة من داخلها أمراً مطروحاً، في اعتقادي أن أزمة الحصار ليست سوى ثورة من سلسلة ثورات الربيع العربي أو هي أحد أشكالها تتسق تماماً وظروف المنطقة ورأينا كم أكلت هذه الثورات أبناءها بحيث رجع الجميع إلى المربع الأول قبل الثورة رغم استثناء تونسي لايزال يطمح في القفز إلى المستقبل، فالحصار سيأكل أبناءه المخلصين الذين فرضوه، آجلاً أم عاجلاً، كما تأكل الثورة أبناءها، فهو أساساً يقوم على مبدأ الإرادة الواحدة لكل من محمد بن سلمان ومحمد بن زايد وليس على إرادة كلية لديها قناعة بما تفعل كما أعتقد كذلك إذا ما أستمر الوضع على ماهو عليه سوف يظهر «يعاقبه» وستشهد المنطقة وبالذات دول الحصار عنفاً وإرهاباً كذلك، ناهيك عن محيطنا الملتهب الذي يوشك أن يشتعل في أي لحظة لا يمكن أن تحكم فقط بالرأي والهوى المجردين بعيداً عن كل إجماع للتاريخ أو للجغرافيا وللإنسان. فالإصلاح الحقيقي لا يعني التوقيع ولكن لابد أن يكون جذرياً وشاملاً ومدفوعاً بإرادة كلية لا بانتقائية فردية وقتية كما نشهد اليوم في المملكة العربية السعودية فالإرادة الفردية تحدث إصلاحات ترفيهية لإشغال العامة الذين سيفيقوا من غفوتهم ليكتشفوا أنها ليست إرادتهم وخيارهم بل خيار الإرادة الفردية بينما أصحاب الرأي ونشطاء المجتمع المدني في السجون.. فالغرغرينا لا تعالجُ بماء الزهر».. كما يُقال.

عبدالعزيز محمد الخاطر