كتاب وأراء

المواطن الصالح من منظور سلطوي

اعتدنا في هذه المنطقة على استيراد أشياء كثيرة من الآلات إلى الأفكار ومع أن الاستيراد يحل مشكلات إلا أنه غالباً ما يتسبب في مشكلات أخرى. فهل ما نستورده يتفق مثلاً مع طبائعنا ويناسب ظروفنا أم لا لزوم له بل وقد يثير سخرية الآخرين منا؟.
خذ سراويل الجينز الممزقة مثالاً.. تجد بعض من يلبسونها يزهون بها فيما يسخر كثيرون منهم لأنها تتعارض مع الفهم العربي البسيط لمعنى كلمة لباس المفترض أن يستر ولا يفضح.
وفي دنيا الأفكار نأتي أحياناً بكلمات عجيبة بدلاً من أن تكفل لنا الاحترام قد تجلب علينا القيل والقال. كلمات أشبه بسراويل الجينز. تفضح ولا تستر. من تلك المفردات عبارة «الحكم الصالح» أو «الحكم الرشيد». فهو تعبير مستورد يعبر عن حلم إنساني سعيد استُجلب إلى منطقة مليئة بالكوابيس السياسية. لكن بعض الأساتذة العرب بالذات في مجالي التنمية والسياسة ينكرون أجنبيته ويدفعون بأنه مصطلح عربي طالما أن فيه كلمة «رشيد». ومع أن ما يقولونه يبقى من حقهم إلا أن ما يفعلونه وهم ينقلون عن كتابات غربية إنما يؤكد أن المصطلح أجنبي وفد إلينا من بيئة مختلفة. وأكثر ما يقطع بأنه تعبير أجنبي أنه ارتبط ولا يزال بالديمقراطية التي هي أكبر الغرباء في بلاد العرب.
لقد تطور الحكم الصالح بمعناه الحديث في رحاب الديمقراطيات. فهو تنظيم محكوم بالقانون يوجه مؤسسات الدولة إلى إدارة الشؤون العامة والموارد العامة بنزاهة وكفاءة ورشادة بما يلبي مختلف احتياجات وحقوق وحريات الإنسان. وتدخل كل تلك الجوانب في صلب الديمقراطية. ومع ذلك فهي ليست كل ما في الأمر. ففي الديمقراطيات لا يمكن أن تتصرف الحكومة بشكل صالح إلا لأن وراءها مواطنا صالحا.. وهذا هو مربط الفرس. المواطن الصالح هو قلب الحكم الصالح ومحركه، هو الذي يراقب ويتكلم، هو الذي يحتج ويتظلم، هو الذي يحاسب وينتقد، هو صاحب الكلمة العليا، لديه حضور وشخصية، ينشط في المجال العام بهمة ويشارك بفعالية. يُشكل الأحزاب ويسقط الحكومات، ينافس ويترشح، يصوّت كما يهوى، قراره في يده وحقوقه مصونة، يتمتع بتعليم متميز يصقل ملكاته النقدية ليحول دون تأثير الرعاع على مصيره، هذه بإيجاز بعض صفات المواطن الصالح، بدونها لن توجد ديمقراطية ولن يوجد حكم صالح.
لكن مواطناً بهذا الشكل لا يوجد في منطقتنا، بل ولا تعتبر مواصفاته السابقة محل ترحيب من الأصل. لكن لأن لكلمة «الحكم الصالح» طلاوة فقد جرى استيرادها واستعمالها دون أي اهتمام بشرط وجود المواطن الصالح أولاً، والأمر ليس بغريب على منطقة اعتادت أن تأخذ بالشكل دون المضمون وهي تستورد أشياء كثيرة من الخارج، ولهذا فقد رفعت شعار «الحكم الصالح» تصنعاً ونسيت موضوع «المواطن الصالح» تماماً. جيء بالتعبير الوافد لتتجمل به الخطابات. لكن مع إنكار السياسات لمواصفات المواطن الصالح الفعال فقد تحولت تلك الخطابات إلى حبر على ورق. ولم تكن تلك الانتقائية غريبة، فالمنظور السلطوي المسيطر على المنطقة يحب أن يتسمى حكمه بالصالح وأن يتغنى بذلك في رسائله الموجهة إلى الرأي العام الخارجي بشكل خاص، ولو طرأ ما يدعوه للحديث عن المواطن الصالح فإنه يقدم له تعريفاً مختلفاً عن المعمول به في المنظور الديمقراطي.
فالمواطن الصالح من المنظور السلطوي يتصف بالصبر ولا يجأر بالشكوى، هو المطيع المنقاد وليس المنيع المنتقد، يوافق على ما يسمع ولا يتحرك في المجال العام إلا بقدر ما يُسمح له وليس بقدر ما يحلم به، هو من يترك السلطة في حالها أملاً في أن تتركه في حاله. لا يحاسبها لكي لا تحاسبه. ولو تكلم فعليه أن يأتي إما بكلام ساكت بلا معنى أو بكلام يصب في مربع الخطاب الرسمي. المواطن الصالح من المنظور السلطوي إنسان سلس ليست لديه ملكات نقدية. يتنازل ويُجامل ولا ينتقد أو يتحامل. الطاعة هي القيمة العليا التي تميزه وليس النقاش والنقد كما في المنظور الديمقراطي. فإذا كان المواطن الصالح في الديمقراطية يتقن النقد فإنه في السلطوية يُدرّب على النقل وأخذ ما يقدم له على أنها مسلمات.
المواطن الصالح حقيقة لا شك فيها، لكنها تخص آخرين موجودين في مكان بعيد عن هذه المنطقة. هو ركيزة الحكم الرشيد ودعامته. بفضله ينجح الحكم الصالح وتتحقق الديمقراطية. أما في البيئات السلطوية فالمواطن الصالح له مواصفات مختلفة. فهو الأطرش والأعمى والأخرس الذي لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم. وبسبب تلك المواصفات فإن أي حديث عن الحكم الصالح في البيئات السلطوية لن يزيد عن حديث يتجمل في الشكل ولا يلتفت إلى قبح المضمون. تماماً مثل سراويل الجينز الممزقة التي تعري أكثر مما تغطي.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات