كتاب وأراء

الغنوشي .. الكسب بالنقاط

- 1 -
في كُلِّ مرَّة يُثبِتُ الشيخ راشد الغنوشي، مقدرته على التعامل مع تعقيدات الواقع التونسي، في كُلِّ أبعاده وتشعُّباته المُربكة. هكذا استطاع راشد الغنوشي أن يتجاوز كثيراً من العقبات التي وُضِعَتْ أمامه وأمام حركته السياسية، حيث أفلح في تفويت الفُرص على الذين يتربَّصون بها، ويُحاولون وضعها في خانة الإسلام المُتطرِّف الداعم للنماذج الإرهابية في كل أنحاء العالم.
ولكن كان راشد الغنوشي مُدركاً لطبيعة هذه المُخطَّطات والمرامي؛ فعمل على تقديم كثيرٍ من التنازلات على مستوى الشكل والمضمون، ولكنها تنازلات لا تُغيِّر من طبيعة هوية حركته الإسلامية، وهي تنازلات تقتضيها تحدِّيات ومُتطلَّبات الواقع السياسي في تونس، وما يُحيط به من أجندة خارجية مُتربِّصة، فجعل الغنوشي من حركة النهضة حركة مُعاصرة ومُواكبة، ولها مرونة في التعاطي مع الواقع، قادرة على امتصاص الهجمات وتشكيل ردود أفعال ذكيَّة تُوافي مُتطلَّبات الظرف.
أكبر دليلٍ على ذلك، هزيمته للحركات والمجموعات الحزبية العلمانية، المُناهضة للنهضة، كوجود لا كمُنافس انتخابي.

- 2 -

استطاعت حركة النهضة، أن تتصدَّر قوائم الانتخابات البلدية في كُلِّ تونس، ونتائج هذه الانتخابات تُعطي المُؤشِّر المُهمَّ لما يُمكن أن يحدث في الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة، حيث دخلت النهضة في تحالفاتٍ مع المجموعات المُستقلَّة القريبة منها، رغم طبيعتها العلمانية، كما استطاعت النهضة التونسية أن تمنح المرأة نصيباً وافراً في قوائمها الانتخابية.

- 3 -

تفوَّقت حركة النهضة على تحالف نداء تونس، حيث فازت بالأغلبية.. وكما ذكر، فإنَّ حركة النهضة هي الحزب الوحيد الذي قدّم مرشحين في 350 قائمة في كُلِّ بلديات تونس.
وكذلك ذكر مُراقبون أن النهضة اشترطت على نفسها شرطاً لم يرد في القانون التونسي، إذ إن 50 %‏ من القائمة من النهضة و50 %‏ من القائمة من المُستقلِّين المُتَّفقين معها في البرنامج.. وورد عبر مصادر عدَّة، أن أكثر من 50 % من المُرشَّحين والفائزين تقل أعمارهم عن 35 عاماً.
ولتأكيد انفتاح النهضة على الآخر البعيد قبل القريب، وضعت في قمة إحدى قوائمها الانتخابية تونسياً يهودياً.
بهذه التركيبة التي تُراهن على النساء والشباب والأقلِّيَّات، نالت النهضة المُراد في الانتخابات البلدية.

- 4 -

من الواضح أن راشد الغنوشي استطاع أن يستفيد من تجارب إسلامية سابقة، واجهت ذات التحديات، ولكنَّها لم تستطع أن تتجاوزها بذكاءٍ ومُرونة، كمثال الحركة الإسلامية في السودان، حين دخلت في منتصف الثمانينيَّات في صدامٍ عنيفٍ وشرسٍ مع القوى السياسية الأُخرى، وفرضت عليها - أي الحركة الإسلامية - عزلةً من قِبَلِ كثيرٍ من الحركات المُناوِئة لها، إلى أن اضطرَّت إلى الدخول في مُغامرة انقلابية أصبحت نتائجها النهائية عبئاً عليها.
كذلك تجربة الإخوان المسلمين في مصر عجزت عن الخروج عن طوق العزلة المفروض عليها، فانغلقت على نفسها في مجتمعها الخاص، إلى أن تمَّت الإطاحة بها.
قالها الغنوشي بوضوح، في افتتاح المؤتمر العام العاشر لحركة النهضة: (الدولة التونسية سفينتنا التي يجب أن تحمل على ظهرها كافّة أبنائها وبناتها دون استثناء أو إقصاء أو تهميش).
وأكَّد في أكثر من مرَّة، في أن النهضة حزب وطني، يُغلِّبُ مصلحة تونس على مصلحته.
وأضاف في تلك الكلمة التاريخية: (عندما كنا نناقش التنازل عن حكومتنا المنتخبة، كررنا مراراً، أننا يمكن أن نخسر الحكم، لكن ستربح تونس، وأن تونس أعز علينا من أنفسنا ومن حزبنا).

-أخيراً-

أكثر ما هو جديرٌ بالإعجاب والتقدير، في تجربة الشيخ راشد الغنوشي، روح التواضع والتسامح، ودعوته لتجاوز مرارات الماضي، وتوارث الأحقاد وفتح صفحة جديدة في تاريخ تونس، عنوانها: (مستقبل بلا أحقاد ولا إقصاء).

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال