كتاب وأراء

تزوير النوايا

بمقال سابق، ذكرت أن هناك تقارباً بين المادي والمعنوي في الكلمات والمعاني، فقط بالتلاعب بأماكن الحروف وأعدادها، فمثلاً:
- «الخِلقة» هي ملامح الجسد وصفاته، كذا «الأخلاق»، ملامح الروح وصفاتها.
- «العُري» هو كشف عَورة الخِلقة، فيما «العَار» هو فضح عَوَار الأخلاق ونقائِصها.
- «الصِلة» هي اتصال المخلوقات ببعضها، فيما ترقى «الصلاة» للتواصل البشري بالخالق، والألف في الصلاة مد وممتد لعناااااااااااان السماء.
واليوم انتبهت للعلاقة بين «النواة» و«النية»؛
فـ «النواة» هي الجزء الداخليّ الصلب الذي يتوسط الثَّمرة، وتعتبر، وفقاً لعلم الأحياء، أساساً للتطوُّر المستقبليّ للثمرة.
في حين أن «النية» هي أيّ عمل أو قول يبدأ من الجوارح أي الجزء الخارجي الصلب للمرء؛ حيث يكون في البداية فكرة، ثم يتم تفعيله بالأجزاء الداخلية المعتمة بالعقل، القلب، والنفس.
وقد أشار القرآن لمناط الحصاد الذي يستهدفه المولى سبحانه: «وحصل ما في الصدور» لذا، فبديهي أن تحتل النية مكانة الثلث في الدين كونها البصلة الموجهة للطريق المستقيم أم المعوج للأعمال.
ويستطيع الإنسان- لو أراد- الكشف عن نيته الحقيقة حال سأل نفسه بعض الأسئلة؛ فمثلاً:
- لو لم يكن هذا المريض رئيسي، أكنت سأعوده؟
- تراني كنت سأصطحب معي باقة ورد ثمينة لو كان المريض مجرد زميل لا رئيس؟
- هل الوازع الأول للزيارة هو عيادة المرضى، يليه إبداء الاهتمام برئيسي؟
- لو جاءت الإجابة أن السبب الثاني له الأولوية عن الأول، فثق أن الأمر يحمل شبهة نفاق ومداهنة، بل رشوة نفسية مغلفة بحجج مقدسة، ما يدمغ وجود عطب جوهري بنيتك.
كم تحتاج نوايانا لجهد كبير ونفوس كبار ليعترف الإنسان أمام نفسه بحقيقة وكنه نيته. فالمسألة تستوجب شخصية قادرة على التركيز مع نفسها ومؤهلة على مواجهة أخطائها ودوافعها.
النية كامنة فيجب التفتيش عنها كونها لا تسفر عن نفسها إلا لو نقبت عنها بقاع نفسك.
مثال: اشتهر أحد المطاعم الرخيصة بتقديم شطائر «سبيط» شهية وزهيدة الثمن.
ثم اكتُشف أن محتوى السندويتش عبارة عن لحم البطيخ الأبيض الموجود بين القشرة الخضراء والثمرة الحمراء بُعيد تقطيعه لشرائح رقيقة تم تتبيلها بتوابل ثمار البحر، ثم أضيف لها البقسماط، وخضعت للقلي وتم إضافة المايونيز، فبيعت على أنها ثمار بحرية مقرمشة.
نفس شطائر السبيط حضرتها أم لأبنائها مع فارق، فلقد أخبرتهم بحقيقة محتوى الشطيرة وأعلنت أنها ودت لو كانت استطاعت شراء السبيط، لكن على العموم، سيجدون المحتوى مشابهاً في الطعم.
الطعامان واحد، لكن الأول ثبت فيه نية الغش للتربح، فيما الثاني ثبت فيه نية الاحتفاء مع الأمانة التي حدت بالأم لعدم الإيهام بتناول وجبة ثمينة.
أم كشفت عن نيتها فيما طفف التاجر وغش وأكل مال حرام بإطعام وجبة مزورة.
وما أسهل تزوير النوايا.
كاتبة مصرية
EMAIL:DALIAELHADIDI@HOTMAIL.COM

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي