كتاب وأراء

عالم الأشجار

هل تطرب الأشجار للموسيقى كما ينتعش بها الوجدان الانساني، إنه سؤال لاتزال الاجابة عليه موضع بحث وتدقيق علمي منذ ان لاحظت باحثة في السبعينيات أن النبات في منزلها، يميل ناحية مكبر الصوت في جهاز الراديو، أكثر مما يميل ناحية النافذة حيث يدخل نور الشمس. وهذا جعلها تتساءل: هل من الممكن أن يحب النبات الموسيقى أكثر من النور؟ هل يتغذى النبات من الموسيقى كما يتغذى من نور الشمس؟
شاب فلاح صديق يزعم لي ان شجرة توت على رأس حقل والده صارت اكثر إنتاجا لثمار التوت السوداء منذ ان تعود والده المثقف المصر على الاشتغال بالفلاحة الجلوس في فيئها والاستماع إلى الموسيقى الخفيفة التي يعشقها، فهذا الاب الذي يكتب قصصا قصيرة ايضا مغرم بعزف الموسيقار العالمي الارمني «يني» والموسيقي الروماني الشهير «زامفير» وعزفه على آلة البان فلو، غير ان استنباط الحقائق لا تكفيها أي حكايات، بل تحتاج إلى بحث علمي دقيق يؤكد لنا أو ينفي: هل الاشجار مغرمة بالموسيقى كغرم الوجدان الانساني المثقف بها
في واقع الامر ان الاشجار الباسقة العفية المورقة، والموسيقى الجميلة، يجمعهما انهما عنوان للسلام والجمال، ولهذا نجد انه تقليد بروتوكولي رائع ان يزرع رئيسان التقيا في اجتماع قمة شجرة بمناسبة انعقاد قمتهما أو في ختامها تعبيرا عن الاتفاق والتوافق، وتأكيدا على ان قمتهما انتهت إلى غرس الخير في علاقات بلديهما.
ولهذا زرع زعيما الكوريتين قبل ايام شجرة صنوبر على الحدود شديدة التحصين التي تفصل بين بلديهما مع بدء في إطار القمة المنعقدة بينهما، وأهال الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون والرئيس الكوري الجنوبي مون جيه-إن التربة على جذور الشجرة وكشفا عن حجر كتب عليه «زرع السلام والازدهار» فوق اسميهما
كما احتفل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالعلاقة الخاصة بين اميركا وفرنسا خلال زيارته لواشنطن قبل نحو أسبوعين بزراعة شجيرة بلوط في البيت الأبيض بواشنطن، ولكن شجيرة البلوط اختفت مؤقتا، حيث نقلت إلى الحجر الصحي لوجود طفيليات بها قد تنتقل للاشجار الأخرى في البيت الابيض، ثم أعيد غرسها، وكثير من الرؤساء والزعماء في العالم يفعلون الشيء ذاته. وبصفة عامة فان غرس الاشجار الجميلة ورعايتها فضيلة، بينما قطع الاشجار واعطابها بعبث يعد خطيئة، وربما جريمة، ولهذا فإنه في بعض الأحيان تتواجد الأشجار في أماكن مخصصة لبناء مشاريع، مما يضطر القائمين على تلك المشاريع على قطعها، لكن الآن أصبح بالإمكان نقل تلك الشجرة دون إيذائها وإعادة زرعها في مكان آخر بفضل آلة تم اختراعها قبل سنوات خصيصا لنقل الاشجار من موقعها بدلا من التضحية بها وقطعها، فالى هذا الحد يبلغ اعتناء الدول المتحضرة بالاشجار.
من احدث الصيحات التي سمعت عنها ان بعض المتزوجين حديثا يبدأون حياتهم الزوجية بتشارك كل زوجين بزراعة شجرة، يرعيانها لتكون عنوانا لحياتهما الزوجية المزدهرة، سألت صديقي الذي حدثني عن ذلك: وما هو مصير الشجرة ان وقع طلاق بين الزوجين؟ فقال: حدث ذلك بالفعل، وتوجهت الزوجة المطلقة إلى الشجيرة واقتلعتها من جذورها قبل ان تغادر منزل الزوجية!

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي