كتاب وأراء

إلى أي حد يجب أن نصدق هواتفنا الذكية ؟

كثرت الإحصاءات حول الهواتف الذكية وتأثيراتها المتعددة على حياة الأفراد والجماعات بل وحتى على علاقات الدول ببعضها البعض. وبحسب شركة STATISTA الألمانية المتخصصة في أبحاث ودراسات السوق فإن عدد مستعملي تلك الهواتف حول العالم سيرتفع بنهاية 2018 إلى 2.53 بليون فرداً مقارنة بحوالي 2.32 بليون في 2017 وسوف يقفز الرقم إلى 2.87 بليون بنهاية 2020.
ولا يستطيع أحد أن يشكك في جاذبية تلك الأجهزة أو أن يقلل مما أتاحته من آفاق للتواصل وسهولة في أداء كثير من المهام. فهي تقدم كل ما يحتاجه الإنسان من الألعاب إلى الأخبار إلى الخدمات إلى تطبيقات مثيرة لا حصر لها تمكننا من التواصل مع الآخرين وتنفيذ عشرات المعاملات المهمة يومياً. وتذهب بعض التقديرات إلى أن الفرد يقضي كل يوم نحو تسعين دقيقة مع هاتفه الذكي. وهو ما يعني أن كثيراً من الناس يخصصون قرابة 23 يوماً في العام لهواتفهم الذكية وهو ما لا يخصصونه ربما لبعض أقربائهم أو حتى لهواياتهم التي يفضلونها.
وبرغم الاعتراف بما أحدثته الهواتف الذكية من تأثيرات إيجابية إلا أن الانتقادات لها لا تتوقف. وهي انتقادات مهمة لأنها تدعو إلى ترشيد استعمالها ووضع سقف للثقة في الاعتماد عليها. وما يعني هذا المقال على وجه التحديد ما بات الهاتف الذكي يمثله كمصدر للأخبار ووسيلة لتكوين الوعي. فلم يعد معظم الناس يقرأون باستفاضة ومن مصادر متنوعة لكي يكونوا رأيهم بتؤدة وإنما بات أكثرهم يعتمد على ما يصله من رسائل نصية وفيديوهات فيعدونها مصدرهم للمعرفة وبوابتهم إلى الحقيقة.
وقد حطمت الهواتف الذكية أشياء كثيرة من بينها الحاجة إلى التدقيق في المعرفة بعد أن ألغت الفواصل بين الرأي والمعلومة وخلطت الدعاية بالحقيقة. فقد بات الدس من خلالها سهلاً وتسميم العقول يسيراً. فكم من كذبة تحولت بسببها في أذهان الناس إلى حقيقة، وكم من أنصاف حقائق تحولت بفضلها إلى قناعات يسوقها كثيرون في نقاشاتهم. ومع أن متابعة الأخبار لا تحظى على الهواتف الذكية إلا بثلاثة بالمائة فقط من انشغال الناس اليومي بالهواتف الذكية في بلد مثل الولايات المتحدة، وهي على الأرجح لا تزيد على
هذه النسبة في كثير من بلدان العالم، إلا أن الخلط على الهواتف الذكية بين ما تنقله وكالات الأنباء ومواقع الصحف الالكترونية وما يجري تناقله عبر تطبيقات مثل واتس أب وفيسبوك وانستجرام وغيرها إنما يزيد هشاشة قاعدة المعلومات التي يبني عليها الناس اتجاهاتهم ويجعلهم عرضة للغش والأخبار المفبركة.
الهواتف الذكية بلا شك تطور خلاق لا يمكن الرجوع عنه أو الطعن فيما حققته من راحة. فهي سريعة في نقل الخبر وانهاء الخدمة. تناسب الإنسان في وضع الثبات والحركة، تنقل له كل ما يريده أينما كان. وهي جذابة تتيح عشرات إن لم يكن مئات البدائل. لكن ذلك كله يقابله سلبيات من بينها تعريض المرء بشكل مستمر لأخبار مغلوطة ومعلومات ملفقة وشائعات باتت تصل إلى كل الناس تقريباً كل يوم. والهواتف الذكية بهذا الشكل السلبي تعد بنت عصرها. عصر ما بعد الحقيقة. عصر الإيهام بالصدق وحمل الناس على تقبل الزيف طالما عرض عليهم بشكل أنيق وطرق مقنعة مزودة بشرائط فيديو ومقاطع صوتية قد تكون مقتطعة وملفقة أو ببيانات إحصائية يمكن اختراعها ونسبتها إلى مؤسسات ومواقع أحياناً ما تكون وهماً ومحض خيال. ومثلما ظهر الهاتف الذكي في عصر ما بعد الحقيقة فإن كثافة الاستعانة به ساعدت هذا العصر على أن يُطبق خناقه على الناس مهيمناً على كثير من تفاعلاتهم.
ولخطورة الاعتماد المكثف على الهواتف الذكية فقد بدأت بعض الدول تقاوم ما لحق الناس بسببها من أضرار من بينها إدمان استعمالها كمصدر للمعرفة. في سنغافورة مثلاً يحاول الأطباء استصدار تشريع يوجب فتح مصحات متخصصة لعلاج إدمان الهواتف الذكية. وفي الصين يوجد حوالي 300 مركز متخصص لعلاج إدمان الانترنت والاستعمال المفرط للهواتف الذكية. وما أحوج الفرد فيما يخص موضوع الأخبار على وجه التحديد أن يراجع ثقته في الهواتف الذكية وأن يعتبرها مجرد مصدر ثانوي وليس مصدراً رئيسياً بل وأحياناً وحيداً. الفرد الذكي وليس الهاتف الذكي هو الأهم. والأكثر أهمية أن يعرف الإنسان كيف لا يستسلم لأية آلة مهما كانت جاذبيتها. كل منا مثلاً يتلقى مئات الرسائل كل أسبوع بعضها يتناول أخباراً تخص ما يجري حولنا من أحداث. ومثل هذا النوع من الرسائل في حاجة ماسة إلى فرز وتمييز بين ما يعتبر دعاية وما يعد خبراً. وقد يساعد على ذلك أن يتخذ المرء لنفسه نقطة مرجعية تمكنه من المقارنة بين ما يصله من أخبار ليستبعد منها ما كان يحاول أن يستعبده.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات