الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  عام على رحيل الترابي

عام على رحيل الترابي

عام على رحيل الترابي

الخرطوم- الوطن- عامر محمد
احتفل المؤتمر الشعبي في 25 مارس بذكرى رحيل قائده حسن الترابي، وبعد مرور عام على رحيله، ظل سؤال وحدة الحركة الإسلامية السودانية مطروحاً على طاولة التشريح والتحليل وهو انقسام منذ العام 1999م.
ويعد الانقسام الثاني في تاريخ الحركة الإسلامية في تكوينها الحديث برئاسة الدكتور حسن الترابي «1 فبراير 1932– 5 مارس 2016م».
الدكتور الترابي المؤسس الحقيقي للحركة التي وصلت إلى الحكم في العام 1989م بقيادة المشير البشير وفق تحالف بين المكون المدني للحركة الإسلامية والجناح العسكري، هذه الثنائية التي ارتكزت عليها الحركة الإسلامية السودانية ساهمت بشكل كبير في انقسام الحركة إلى جناحين هما الحزب الحاكم «المؤتمر الوطني» برئاسة المشير البشير وحزب «المؤتمر الشعبي» بقيادة مؤسسه الراحل الدكتور الترابي، وكان أول انقسام في تاريخ الحركة الإسلامية في بداية سبعينيات القرن المنصرم «حركة الإخوان المسلمين» يقول البروفيسور حسن مكي، في كتابه «الحركة الإسلامية في السودان 1969 - 1985م.. تاريخها وخطابها السياسي»: وقع انقلاب مايو 1969م والحركة الإسلامية في ظروف انتقال وعبور من تنظيم صغير إلى حركة سياسية جماهيرية، وظروف الانتقال عادة ما تكون حبلى بالمجابهات، كما تجلى في المؤتمر العام للإخوان المسلمين؛ حيث تبارز الأعضاء حول إشكاليات التربية والسياسة، ومنهج العمل والتغيير، وبينما كان خطباء الإخوان يتبارون في تصنيف مناقب التربية ومتاهات دنيا السياسة كان هناك عمل سياسي كبير يتم الإعداد له، تبناه الإخوان المسلمون حينما وجدوا أنفسهم في زنازين سجن كوبر التي وفرت الوقت والطاقة لاستكمال ذيول ذلك النقاش وتعويض ما فاتهم من فرص التربية والتزكية، وكان انقسام «الإخوان» الأول من أسبابه «العمل السياسي الكبير الذي يتم الإعداد له» على يد الدكتور حسن الترابي وزملائه وتلاميذه داخل الحركة وتيار يقوده القائد التاريخي لمسمى «حركة الإخوان المسلمين» الشيخ «الصادق عبدالله عبدالماجد» وكان الترابي يطالب بتغيير اسم «الإخوان» باعتباره اسماً غير «جاذب» كما أكد ذلك في حوار مع الوطن، قبل سنوات، الشيخ «حسن أبوسبيب» القيادي السابق بحركة الاخوان وأحد أبرز قيادات الحزب الاتحادي الديمقراطي «الأصل» حالياً.
وتشير كل الوثائق التي دونت تلك الفترة إلى أن الاختلاف الحقيقي تمثل في مطالبة الدكتور الترابي بالانفتاح على المجتمع وزيادة العضوية دون الالتزام بمنهج التربية الصارم الذي تعمل به حركة «الإخوان المسلمين» منذ تأسيسها كحركة سياسية في مصر على يد «حسن البنا» وانتقال فكرها إلى السودان في ثلاثينيات القرن المنصرم.
ويضيف البروفيسور مكي: منذ صبيحة يوم انقلاب 25 مايو 1969م تقلص تيار الحركة الإسلامية وحصرت القيادة الجديدة الصغيرة في دائرة «الإخوان» مستثنية جماهير جبهة الميثاق التي رفع عنها تلقائياً تكليف التضحية والجهاد؛ لأن القيادة الجديدة قدرت أن دائرة تكليفها قد ينوء بها حتى بعض الإخوان، فكيف بجماهير الجبهة التي قامت علاقاتها على أسس «فضفاضة» هذه الأسس الفضفاضة التي بموجبها عادت جبهة الميثاق إلى حركة الإخوان المسلمين عقب انقلاب مايو 1969م أيضاً ساهمت في إعادة الدكتور الترابي تكوين حركته الإسلامية تحت مسمى حزب «المؤتمر الشعبي» عقب المفاصلة بينه والمشير البشير رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم.
الصعود الأول
لم يعد من الممكن تجاهل حركة الإخوان المسلمين في أعقاب ظهور الدكتور الترابي ومساهمته في إسقاط نظام الفريق عبود « 1 نوفمبر 1958م– 21 أكتوبر 1964م» والفريق إبراهيم عبود «1900 - 1983م» هو القائد الثاني في تاريخ الجيش السوداني بعد الفريق «أحمد محمد باشا» الذي تسلم قيادة قوات دفاع السودان من القيادة العسكرية البريطانية.
ظهر نجم «الترابي» في سماء السياسة السودانية كقائد شاب مستنير وأستاذ جامعي ويقود حركة سياسية لها جذور وعلاقات مع حركة الإخوان المسلمين في مصر والتزام بخطاب الإخوان الإسلامي.. في كتاب «سنوات في دهاليز الحزب الشيوعي– تحرير الطاهر التوم» يقول البروفيسور عبدالله علي إبراهيم «ندوة جمعية الدراسات الاجتماعية بكلية الاقتصاد جامعة الخرطوم حول قضية الجنوب ويعتبرها الناس بداية ثورة أكتوبر 1964م تحدث فيها الأستاذ العائد من التعليم في باريس الدكتور الترابي إذ قال يومها إن قضية الجنوب لا تحل إلا بالديمقراطية، فصفق الناس وتنفسوا الصعداء»، وفي أغلب قراءات ثورة أكتوبر يرى مؤرخون أن نجم الدكتور الترابي قد توهج وأضاء في سماء السياسة السودانية في أعقاب سقوط حكم الفريق إبراهيم عبود، بثورة شعبية وكانت تجربة الدكتور الترابي السياسية والبرلمانية «دخول أعضاء من حركته في برلمان 1965م» في بداية ترسيخها في الشارع ورجحان كفته على أقرانه بما تميز به من قوة الشخصية والكاريزمية التي أتاحت له التأثير الأكبر في مسار السياسة السودانية لعقود مع ما أحاط بتجربة وصول الجبهة الإسلامية القومية إلى الحكم بانقلاب عسكري 1989م «تكونت الجبهة الإسلامية وهي تيار إسلامي عريض عقب سقوط نظام المشير النميري في ثورة شعبية في العام 1985م، وقد ضمت قيادات سابقة في نظام النميري وحزبه الاتحاد الاشتراكي».
وحول علاقة الحركة الإسلامية بنظام «مايو» أوضح البروفيسور حسن مكي: «حرصت قيادة الجماعة على أن تتجنب الظهور في مناسبات النظام خشية أن تضفي عليه شرعية إسلامية لم يتلمس طريقها بعد، ودرج د. الترابي على الاستجابة لدعوات المشاركة في مؤتمر الطلاب المسلمين في أميركا وغيرها التي تتوافق مع احتفالات ذكرى مايو وابتداء من عام 1982م أخذ نظام مايو يعزز توجهاته في اتجاه الإسلام».
وأضاف مكي: «ورغم المكاسب الكبيرة التي حققتها الحركة الإسلامية مستفيدة من ظروف المصالحة ومنها ظهور مؤسسات الدعوة وواجهات العمل الإسلامي من بنوك ومؤسسات، وزيادة وزنهم وسط قطاع الطلاب مما مكنهم من السيطرة على اتحاد جامعة القاهرة فرع الخرطوم من عام 1981م وقد ظلت هذه الجامعة بؤرة لليساريين منذ افتتاحها منتصف الخمسينيات، وانحياز حركة المرأة لداعي التوجه الإسلامي، وتوسع تنظيم الحركة على امتداد الداخل والخارج وتبنيه لنظام، إضعافهم لتيار العلمانيين في نظام مايو (منصور خالد، بدرالدين سليمان، جمال محمد أحمد)، فإن الإخوان أقبلوا عام 1983م تغشاهم كآبة التعامل مع نظام لا يحكمه فكر أو مبادئ وإنما تسيره الأهواء ومنطق اهتبال الفرص، وبينما كانت الأوضاع تسوء في الشمال، فإنها دخلت في مرحلة اللاعودة في الجنوب».
النظام الديمقراطي
سقطت سلطة النميري بثورة شعبية شاركت فيها الحركة الإسلامية بعد أن تنكر النميري لشراكتها في مارس 1985م، وأدخل السجن الدكتور الترابي وكثير من قيادات الصف الأول والثاني.
إنقاذ النميري للحركة الإسلامية لم يرتكز على قبض قياداتها قبل أيام من سقوطه، بل في استفادة الجبهة الإسلامية من قيادات مايوية لها من الخبرات السياسية والتنظيمية مما ساهم في حصول الجبهة على عدد «53» نائباً برلمانياً في الجمعية التأسيسية «البرلمان الديمقراطي» ومشاركتها في السلطة في نهاية العهد الديمقراطي في حكومة ائتلافية بزعامة الصادق المهدي، إلا أن ضغوط قيادات عسكرية كبيرة في الجيش «مذكرة الجيش» وقيادات نقابية، ساهمت في إخراج الجبهة الإسلامية من الحكم في أبريل 1989م، وتدبيرها انقلاباً عسكرياً في 30 يونيو 1989م. ويرى مراقبون لتاريخ وحراك الحركة الإسلامية أن الدكتور الترابي قد أعاد تجربة الزعيم الشيوعي السوداني الراحل عبدالخالق محجوب في علاقة القيادات السياسية والعسكرية مع اختلاف المصائر؛ إذ تم إعدام «عبدالخالق» في 28 يوليو 1971م لاتهامه بتدبير انقلاب مضاد لانقلاب شارك فيه حزبه هو انقلاب 1969م إلا أن «الترابي» كان شريكاً في الحكم من
«30 يونيو 1989م إلى 4 ديسمبر 1999م» لتنتهي هذه المرحلة السياسية في تاريخ الحركة الإسلامية ومؤسسها الحقيقي بتكوينه لحزب المؤتمر الشعبي وقيادته لمعارضة شرسة لانقلاب هندسه فكره ونفذه.
الفكرة
يقول الدكتور والأستاذ الجامعي عبدالوهاب الأفندي في كتابه «لمن تقوم الدولة الإسلامية»: «رأى الترابي أن الدولة تمثل مبدأً تشريعياً مهماً في القانون الإسلامي وتقترن ذلك بالإجماع كواحد من أسس التشريع الإسلامي، كما دل على ذلك اعتبار العلماء ممارسة الدولة على عهد الخلافة الراشدة بمثابة سوابق قانونية، إضافة إلى أن قرارات الحاكم في أمور كثيرة اعتبرت أساساً لتحديد منطوق القانون، وقد زاد الترابي فرفض المفهوم التقليدي للإجماع- الذي أكده المودودي- والذي يرى أن الإجماع المقصود هو إجماع الصحابة أو إجماع غالبية المسلمين أو الرأي العام لجمهور المسلمين في أي وقت معلوم. ويقتصر دور العلماء وغيرهم من الخبراء المتخصصين في شتى مجالات تخصصهم ولكن الرأي العام الحر المستنير هو الحكم في شؤون الأمة، وسيحكم التاريخ على تجربة الحركة الإسلامية في الحكم، وموقع الرأي العام الحر المستنير في حكم السودان. وهل تصبح المنظومة الخالفة إعادة قراءة التجربة السابقة وتجنب مزالقها وهل يتقبلها الرأي العام المسلم لمفكر شغل الناس ويشغلهم بعد رحيله؛ إذ كان لا ينظر إلا في اتجاه ما يؤمن به. وبنهاية مؤتمر حزب المؤتمر الشعبي لاختيار قيادة جديدة أو تكريس سلطة الأمين العام المؤقت الشيخ إبراهيم السنوسي في الفترة من 24-25 مارس، فإن صعود قيادي جديد لا يعني بالضرورة أن الترابي سيختفي من مشهد حزبه؛ إذ أن وصيته «المنظومة الخالفة» هي منظومة سيقود بها الحزب خليفة الترابي المنتخب ديمقراطياً.

الصفحات