الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  د.عادل بدر .. المنظور السردي والأداة

د.عادل بدر .. المنظور السردي والأداة

د.عادل بدر .. المنظور السردي والأداة

إذا طرحنا التساؤل؟ لماذا تداخل السرد الحكائي مع الأسلوب الحواري في هذه القصيدة؟ ما الذي قدمه كل أسلوب للآخر؟ وما الذي قدمه الأسلوبان للنص الشعري؟ نجد أنَّ وجود السرد بضمير الغائب يجنب المؤلف السقوط في فخ «الأنا»، لكن بعض النصوص الشعرية تتخلص من ذلك بالتبادل بين ضمير الغائب والمتكلم. يقول حسن طلب:
و فتاة قفزت - كالمهرة- نحوي
قالت:
مثلك في قلبي
هل مثلي في قلبك؟
قلت: أقلّ قليلا
قالت: في لبّك؟
قلت: أقلّ قليلا
قالت: بيّن لي في أيّ الاثنين؟
في قلبك أم في لبك.. أم أين؟
قلت: ففي منزلة بين المنزلتين
ومن الممكن أن نطلق على هذه النصوص «السرد الحواري» كما يقول جيرالد برنس: سرد يتميز بتداخل أصوات متعددة وأكثر من وعي وآراء حول العالم لا يمتلك أي واحد منها تفوقًا أو سلطة على غيره، سرد متعدد الأصوات، وفي الحواري على نقيض الذاتي أو الأحادي، فإنَّ آراء السارد وأحكامه وحتى معرفته لا تشكل المرجع النهائي بالنسبة للعالم المعروض، ولكن مجرد إسهام بين إسهامات أخرى ومشاركة في حوار، قد تكون أقل أهميةً وإدراكًا مع بعض الشخصيات الأخرى.
ولا يمكن أن يكون حوارا ؛ لأن الحوار عرض (دراماتيكي في طبيعته)؛ لتبادل شفاهي بين شخصين أو أكثر، وفي الحوار فإنَّ كلام الشخصيات يقدم كما هو مفترض أن يكون بدون لاحقات استفهامية.
وقد يتحقق وجود السارد في النص الشعري من خلال اللجوء إلى الرمز الشعري، ومن خلال المراوحة بين هذا الرمز وذات الفعل المباشرة التي تتحقق في النص من خلال إضافة ياء المتكلم إلى ذات الحالة من ناحية أخرى.
وبالتالي تختلف الرؤية، ويختلف المنظور النصي، وتختلف الأداة السردية، كما يختلف نوع السرد أيضا، فإذا كان النص الحواري اعتمد حكاية القول المنتشرة في الشعر الحديث، فإن النص التالي يعتمد على «سرد الشخصية» يقول محمد صالح:
خان الحواريون
وخاب ما قدرت
وها أنا أُشهدكم خطيئتي
وهاكُمُ يقيني
دمي على رقابكم
وعاركم على يميني
فحمِّلوني بالذي اقْترفْتْ..
السارد في النص السابق يتخذ الرمز «الحواريون» منطلقا، فهو يعتمد على ضمير المتكلم، سواء بالضمير المباشر «أنا» أو بالإضافة إلى ياء المتكلم «خطيئتي، يقيني، دمي، يميني، حملوني» والانتقال إلى مخاطبة الآخر في النص «أشهدكم، رقابكم، عاركم»،وهذا التحول أداة تشكيل البعد الذاتي. يضيف د.مرتاض نقلاً عن بيتور: «أنت يتيح لي أن أصف الشخصية كما يتيح لي الكيفية التي تولد اللغة فيها فكأنما أنت جاء لفك العقدة النرجسية الماثلة في الأنا، ففي «أنت» خلاص للأنا من منظور «BUTOR» على الأقل، غير أنني لا أعتقد بأن أنت يستطيع مع ذلك إبعاد شبح «الأنا» المتسلط على الشريط السردي، بل لعله لا يزيده إلا مثولاً وشهوداً».
كما أن البنية التي تشكل وحدة النص تقوم أساسا على تلك المراوحة بين السارد، من خلال ضمائر المتكلم، وضمائر الخطاب.
وقد أفاد تردد ضمير المخاطب تفاعلا وتفعيلا للأحداث في النص، باعتبار القارئ طرفاً مشاركاً في إنتاج النص. يقول حسن طلب:
إن كنت لا تذكرني، فأنا الذي
ناصبتك من قبل العداء، وكنت
بادلتك بالجفاء الجفاء، أنا الذي
قابلتك في الغداة، فقاتلتك كنت
بسرِّ الأداء وسحر الأداة، وأنا
الذي جالستك في المساء، فذممت
بين يديك الهوى، وشكوت إليك
مكر النساء، وأنا الذي نادمتك
في العشي وقلت، لإنَّكَ أنتَ
النبيُّ وكنيتك النطاسيُّ، فقلتَ
لي: وإنك أنتَ الجدير وكنيتك:
النِّحرير. فلئن كنتَ قد ذكرتني،
فدعني لكي اعودك العيادةَ
الصَّريحة
القصيدة حوارية تحكي سردا بضمير الأنا، متجهة إلى شخصية أمل دنقل، والحوار ليس فعليا، بل حوار متخيل، من خلال التوجه إلى شخصية من التراث، وإن كان تراثاً قريبا ومعاشاً، هو إنطاق فعلي للشخصية، ومنحها فرصة تشكيل رؤية من خلال حدث فني تهندسه القصيدة، ومن ثم فهو يمنح شخصية أخرى مخلوقة لتشارك صوت الشاعر، وهنا تدخل جملة من التساؤلات حول خصائص الحوار ووظائفه؛ فالحوار هو تمثيل للتبادل الشفهي، وهذا التمثيل يفترض عرض كلام الشخصيات بحرفيته؛ أي هو كلام منقول يتعامل معه المتلقي باعتباره صوتا مغايرا لصوت الكاتب أو الشاعر؛ لذا فهو حوار بعيد عن المجانية، وهو محكوم بحاجة النص إليه، أي إنه نوع من الاستدعاء، وهو أيضاً بعيد عن العفوية بسبب طابعه الأدبي.
وعند دراسة الضمير السارد في نص من النصوص لا نتوقف أمام تعدد الضمائر السردية، ما بين متكلم أو غائب،مفرد أو جمع، دون إدراك العلاقة بين السارد والمسرود، وربما المسرود له، أو ما قد يخلقه هذا الضمير السارد من إيهام بوجود مسافة ما بين الراوي والشخصيات، سواء على مستوى المكان أو الزمان أو العالم المتخيل ككل ؛ وبالتالي «لا يكفي مجرد التمييز بين متكلم وغائب، بل الأهم وصف الخواص المميزة لأنواع الرواة وعلاقتها بتأثيراتهم المختلفة» وكأننا حين ندرس المقتضى السردي أو المقام السردي من وجهة نظر نحوية ضيقة، تتصل بحركات الضمائر (متكلم، مخاطب، غائب-مفرد، جمع) ينبغي أن نحاول - قدر الإمكان- تجاوز الشكل النحوي إلى تأثير هذه الأصوات المختلفة في إيقاع النص الشعري بوجع عام.

اشترك في خدمة الواتساب
إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below