الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  ساعة بغداد!

ساعة بغداد!

ساعة بغداد!

حجي جابر
في معرض الدوحة الماضي للكتاب وأثناء زيارتي لدار الحكمة اللندنية لاحظت إقبالاً كثيفاً على رواية لم أسمع بها من قبل تُدعى «ساعة بغداد» لفتاة عراقية اسمها شهد الراوي. قاومتُ فضولي وأنا أشاهد إقبال الناس على الكتاب دون أن أسأل الناشر عنه، أو ربما منعني خجلي من إظهار جهلي برواية تُطلب بالاسم من هذا العدد الكبير من القرّاء، إلى أن رضختُ أخيراً حين التفت إليّ الناشر عبدالحليم محمود وهو يسألني إن كنتُ قد اطلعتُ على الرواية، قبل أن يهديني نسخة وهو يراهن أنها ستعجبني، وها أنذا أكتب هذا المقال لأخبره أنه كسب الرهان وأن رواية ساعة بغداد عمل جميل ومختلف، انتهيتُ من قراءته ولا أزال مشغولاً به.
يرصد هذا النصّ يوميات أهالي المحلّة ببغداد أثناء الحصار الجائر على العراق والحرب الذي تلته. يأتي ذلك على لسان فتاة تجمع تلك الحكايات في دفتر أسمته ساعة بغداد، هو مدار النص بين الحاضر والماضي قبل أن يختم حكاياته في المستقبل.
توقفتُ في هذه الرواية طويلاً عند معنى الحصار حين يرد حيناً على لسان طفلة بعبارات بسيطة وعميقة في الآن نفسه، وحيناً على لسان نفس الطفلة وقد كبرت وأخذت تلتفتُ وراءها «لم يكن الحصار سلاحاً لتجويعنا فحسب، لقد خرّب معنى حياتنا وقضى على الكثير من عاداتنا وسلوكنا وسلب منا روح الأمل، وعندما يختفي الأمل تصير الحياة مجرد عادة ننتقل فيها من يوم تعيس لآخر أكثر تعاسة». والحصار في حقيقته لم يكن سوى مقدمة لحرب مهلكة «الحرب قادمة، لم يعد هناك مجال للشك. نحن نعرفها جيداً ونتنفس رائحتها في الهواء».
المحلّة، لم تكن سوى النموذج المصغر للعراق الجريح الذي يغادره أهله يوماً بعد آخر «لوّح قلبي لبيتنا، لحديقتنا، لسياجنا، لنوافذنا. هذا هو برج المأمون، تلك هي ساعة بغداد المهدمة، هذا هو برج الزوراء. السفينة جاهزة لاستقبال مسافرين جدد على متنها. الأرض لا تنتقل مع الذين أحبوها».
أجادتْ شهد الراوي وهي تُراوح بمهارة بين مستويين من اللغة أحدهما لطفلة ممتلئة بالأسئلة والملاحظات التي لا تنقصها النباهة، والآخر لفتاة كبرتْ وغادرتْ العراق بأسره لكنها لا تزال تحمله وجعاً بين ضلوعها. يُحسب لها أيضاً أنها أتقنت لعبة الإمساك بالخيط الرفيع بين الفانتازيا والواقع، فكانت تجرجر القارئ خلفها، تدخله في متاهة وتخرجه إلى أخرى وهو يترنح ذهولاً ودهشة، واستمتاعاً ولا شكّ.
ساعة بغداد، عمل لافت وموجع يضع يده على جرح العراق والعرب جميعاً بنبرة هادئة خفيضة لكنها مسموعة تماماً.

اشترك في خدمة الواتساب
Comments
  • Salah Jan 16, 2017

    انا قرأت الرواية هنا في الكويت ووجدت نفس انطباعك انها حقا رواية مختلفة وغريبة واحترت في توصيفها . أشكرك جدا جدا . بالمناسبة موسى فاطمة رواية رائعة وأحببتها

  • فهد الحارثي Jan 16, 2017

    من اجمل الروايات العربية قريتها في السفر واستمتعت بلغتها وخيالها وعرفت ظروف العراق يوم كانت بلد نفخر فيها ممكن تصير فيلم ناجح حتى .

  • د. صبا مدحت Jan 19, 2017

    شكرا جزيلا لهذه الكتابة عن رواية أحببتها جدا ومثل جنابك حصلت عليها من معرض الكتاب

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below