الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  تــرامــب أم ســانـــدرز ؟

تــرامــب أم ســانـــدرز ؟

تــرامــب أم ســانـــدرز ؟

قلق كبير يعتري بعض القادة الأوروبيين بسبب سياسات الولايات المتحدة الأميركية منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قبل ثلاث سنوات، وهذا القلق أصبح أكثر من ذي قبل، ليس بسبب ترامب فقط؛ بل حتى في حال وصول مرشح ديمقراطي إلى الحكم نهاية العام الحالي.
وبحسب تقرير لصحيفة Washington Post الأميركية، بعد التعمُق في رئاسة ترامب هادمة الاجتماعات، يخشى الأوروبيون الذين كانوا لا يطيقون أسلوب تعامله مع العالم من احتمالية استمرار السياسة الأميركية التي لا تكترث إلا لشؤونها الداخلية.
وبعد عامٍ واحد من تصريح نائب الرئيس السابق جو بايدن أمام ألمع نُخب السياسة الخارجية الأوروبية بأن أميركا ستتفوق على العالم بمجرد عودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض؛ يستعد الجمهور النخبوي نفسه لأربع سنواتٍ أخرى مع ترامب. وحتى في حال خسارة الرئيس، فإن كثيراً ممن يُشاهدون الانتخابات التمهيدية الديمقراطية يرون أن السيناتور بيرني ساندرز يتصدر المجال، ويقولون إن اعتناق واشنطن القديم للتجارة الحرة والجيش القوي قد يكون أمراً عفى عليه الزمن.
إذ قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للحاضرين في مؤتمر ميونيخ الأمني السنوي للنخب الأمنية العالمية: «يقول الأميركيون إنهم ليسوا المسؤولين عن حماية الأمن في أحيائنا». وحث زملاءه الأوروبيين على فعل كل ما بوسعهم لتحرير أنفسهم من الاعتماد على واشنطن.
وقبل عامٍ واحد، ضغط بايدن على صُناع السياسة من أجل الصمود. وفي حال خيرت عديداً من الأوروبيين، فسيُفضلونه على منافسيه الديمقراطيين، لأنه رئيسٌ مُتوقع في سياسته الخارجية بعد سنواتٍ من التعاطي مع غضب ترامب عبر تويتر.
لكن الأنباء السياسية الأميركية يسهل تفسيرها أيضاً في الجانب الشرقي من المحيط الأطلسي، وقد شاهد الأوروبيون حملة نائب الرئيس السابق وهي تُكافح بكل قلق.
وقال دبلوماسيٌّ بارز في حلف الناتو خلال مقابلةٍ على هامش المؤتمر، الذي استمر ثلاثة أيام: «جميعهم يدعون الله، وجميعهم يُصلّون من أجل فوز بايدن، وجميعهم يأملون أن تكون هذه المرحلة مؤقتة، وأن نعود إلى الأوضاع الطبيعية بعدها». وتحدَّث ذلك الدبلوماسي بشرط عدم الكشف عن هويته؛ من أجل أن يكشف تفاصيل الدردشات الداخلية في حلف الناتو.
ومقارنةً بوعود بايدن الجريئة، فإن الديمقراطيين المُحبطين في أعقاب العزل كانوا أكثر تواضعاً هذه المرة فيما يتعلق بعلاقة الولايات المتحدة مع أوروبا مستقبلاً.
إذ قالت النائبة إليسا سلوتكين، الديمقراطية المُعتدلة من الحي الذي منح صوته لترامب عام 2016: "قضينا 20 عاماً صعباً من السياسة الخارجية في الولايات المتحدة".
وأضافت أن غالبية ناخبيها لا يعرفون دور تحالف الناتو العسكري. وتنحصر غالبية معرفتهم على حد قولها، في سماعهم شكاوى ترامب من أن الأوروبيين لا ينفقون ما يكفي على ميزانياتهم الدفاعية.
وقالت إليسا، التي عملت محللةً سابقة في وكالة الاستخبارات المركزية والبنتاغون: «إن إدراك سبب أهمية وظيفتك ليس مسؤولية العامة؛ بل إن وظيفتك هي جعل عملك مهماً من منظور الشخص العادي».
من أوباما إلى ترامب
وشعر عديد من القادة الأوروبيين بالقلق حيال دور أميركا في العالم قبل وصول ترامب إلى السلطة، إذ شهدوا تركيز الرئيس باراك أوباما على آسيا وعدم اهتمامه الواضح بالاستثمار في العلاقات الودية مع أوروبا، حتى عام 2014، حين ضمت روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية.
لكن التعاسة تجاوزت الحد حين فاز ترامب بانتخابات عام 2016، إذ حطم الرئيس الأولويات الأوروبية واحدةً تلو الأخرى بانسحابه من مؤتمر باريس للمناخ، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية الإيرانية، وفرض تعريفاتٍ على التجارة الأوروبية.
ورغم ذلك، بات العالم مُعتاداً على مفاجآت ترامب وصدماته، بعد إمضاء أكثر من ثلاث سنواتٍ في هذه الحقبة. وتعلَّم الدبلوماسيون أن عليهم التحقُّق من صفحة ترامب على تويتر من أجل معرفة آخر التطورات السياسية. واعترفوا، بشيءٍ من الأسى، بأنهم سيلتزمون الصمت حيال السلوكيات التي قد يُدينونها حين تأتي من رئيس دولةٍ نامية، مثل الضغط على المحاكم لتتعقب الخصوم السياسيين.
والجزء الوحيد في أوروبا الذي يُسعده وجود ترامب هو الجزء الشرقي، حيث ابتهج قادة بولندا والمجر بالدعم الضمني من ترامب، في ظل تعزيز سيطرتهم على المحاكم والمُعارضة. وعلى نحوٍ مُنفصل، تُقدِر الدول الواقعة على جبهة الناتو مع روسيا زيادة الإنفاق العسكري الأميركي في أوروبا خلال حقبة ترامب، رغم شكوى الرئيس من التحالف بشكلٍ عام.
إذ قال وزير الخارجية البولندي جاسيك تشابوتوفيتش: «لا شك في أن بعض الدول وقادتها يقولون إن فوز إدارة أخرى شبيهة بإدارة ترامب سيُمثل مشكلة. ولكننا لا نرى مشكلة».
وقال دبلوماسيٌ بارزٌ آخر: «لن أقول إننا سنحتفي جميعاً بفوزِ ديمقراطيٍّ. فالأمر يعتمد على هوية الفائز الديمقراطي». وأشار الدبلوماسي إلى القلق من مواقف ساندرز حيال وجود الجيش الأميركي في أوروبا، واشترط عدم الكشف عن هويته؛ مخافة اتهامه بالتدخل في السياسة الداخلية الأميركية.
ولكن في غرب أوروبا، يخشى صُناع السياسة من أن فوز ترامب بولايةٍ ثانية سيُؤدي إلى انهيار آخر الحواجز المفروضة عليه، مثل ضغط الحزبين في الكونغرس على ترامب ليبقى داخل حلف الناتو.
وأوضح نوربرت روتغين، الديمقراطي المسيحي من يمين الوسط ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني، أن إعادة انتخاب ترامب ستُمثِّل «تحديات خطيرة بالنسبة لأوروبا؛ نظراً إلى أن ترامب سيكون غير مقيد خلال الفترة الثانية. ومن المرجح أن نشهد نسخةً مُكثفةً منه، وليس مجرد ترامب الذي اعتدناه».
ماذا لو فاز ترامب مجدداً؟
وبالنسبة لأولئك الذين حاولوا مُواساة أنفسهم بأن فوز ترامب بالمجمع الانتخابي كان مُجرد ضربة حظ، فإن إعادة انتخابه ستُؤكد أن الأميركيين شاهدوا ما يملكه ترامب في جُعبته وقرروا اختياره مرةً أخرى.
وقال مسؤولٌ أوروبيٌّ بارز، اشترط عدم الكشف عن هويته؛ مخافة أن يستهدف ترامب أي دولةٍ ينتقده ساستها: «ستكون الفترة الثانية مُختلفةً نوعياً. إذ ستُغير المفاهيم الأوروبية عن أميركا والديمقراطية الأميركية».
في حين يقول غالبية صُناع السياسة الأوروبيين إنهم يُفضلون أي ديمقراطي على أن يقضوا أربع سنواتٍ أخرى مع ترامب. لكن بعضهم يرون أن نجاح ساندرز سيُمثل إشارةً إلى أن الناخبين الأميركيين أخذوا قرارهم بالتركيز على الشؤون الداخلية بالكامل.
وأوضحت دانييلا شوارزر، مُديرة المجلس الألماني للعلاقات الخارجية: «هناك فكرةٌ واهمة صغيرة تنُص على أن أي رئيسٍ ديمقراطي سيعود بنا إلى العهود السابقة».
ساندرز كارثة للأوروبيين
ويبدو أن ساندرز -بخلاف أي مرشحٍ ديمقراطي رئيسي- يعتنق آراء سياسة خارجية قد تُؤدي إلى انحرافٍ أكبر عن آراء الحزب الديمقراطي التقليدية في السنوات الأخيرة.
وبصفته حاكم برلنغتون بولاية فيرمونت، دعا ساندرز إلى سياسةٍ خارجية مُناهِضة للتدخُّل. وعارض توسُّع حلف الناتو في شرق أوروبا خلال التسعينيات، قائلاً إن ذلك يستفز روسيا على نحوٍ غير مُبرر.
كما يدعو إلى الانسحاب السريع من الشرق الأوسط وأفغانستان، قائلاً إن الولايات المتحدة لن تستفيد شيئاً من شن حروبٍ باهظة الثمن ولا نهاية لها. ويدعم فرض العقوبات على الكرملين بسبب تصرفاته في أوكرانيا، ولكنه يقول إنه يرغب في خفض الإنفاق العسكري بشدة. وفي ميونيخ، قال أحد وكلاء ساندرز إن سياسته الخارجية ستتخلص من فكرة «الغرب»، التي تميل إلى الاستحواذ على تركيز صُناع السياسة الأوروبيين حين يتحدثون عن تحالفهم مع واشنطن.
وصرح النائب الديمقراطي رو خانا، الرئيس المُشارك في حملة ساندرز الوطنية: «سوف يتعامل بيرني ساندرز في البداية من منطلق رؤية أميركا بوصفها ديمقراطيةً مُتعددة الأعراق والثقافات».
وأردف خانا أن «ساندرز لن يضغط على الدول لزيادة إنفاقها العسكري» عكس ترامب، وعكس أوباما وبايدن وغيرهم من ديمقراطيي الوسط.
وقال خانا إن الولايات المتحدة قد تخفض نشاطها العسكري في الشرق الأوسط وأفغانستان لتخفيف الأعباء عن كاهل الناتو: «يُمكن القول إننا نُريد من الأوروبيين أن يدفعوا حصتهم العادلة من نفقات الجنود في أوروبا؛ لحماية القارة الأوروبية من الهجمات والغزو. ولكن إجمالي الإنفاق العسكري العالمي سينخفض إثر التهدئة في أفغانستان، والشرق الأوسط، وإفريقيا بأساليب مسؤولة».
وأضاف أن هناك مساحة لمنح الدبلوماسية الأولوية بوصفها وسيلةً لإدارة العلاقات مع الكرملين بدلاً من القوة العسكرية، «رغم أن حلف الناتو يجب أن يمتلك وسائل ردعٍ حين يتعلق الأمر بروسيا. لا مجال للتفاوض على تأييد الرأي القائل بأن ضم القرم تصرُّفٌ غير أخلاقي وخاطئ ويُمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. ولكن هناك مساحةٌ لتشكيل موقفنا تجاه روسيا».
ولكنّ ديمقراطيي الوسط يستخفُّون باحتمالية حدوث تحوُّلٍ جذري في السياسة الخارجية الأميركية تحت رئاسة ساندرز.
إذ قال السيناتور روبرت مينديز، أبرز ديمقراطيٍّ في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ: «لا أعتقد أن المنظور الديمقراطي يرى الحاجة إلى إعادة وضع معيارٍ لمعنى السياسة الخارجية بالكامل. وأعتقد أن الأمر ما يزال مُترسخاً في نفس جوهر الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والمنظمات الدولية، والعمل من أجل منع انتشار الأسلحة النووية».
وأردف أن الكونغرس سيحول دون وقوع أي تغييرات كبيرة: «في نهاية المطاف، ستظل بحاجةٍ إلى موافقة الكونغرس من أجل تمرير أي شيء». ويُشير بعض الأوروبيين، الذين يتسمون بالهدوء الحذِر، إلى أن سياسات ساندرز تتماشى مع سياسات غالبية الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا، ليس الأحزاب الراديكالية؛ بل أحزاب يسار الوسط الأوروبي. وقال نوربرت روتغين، الديمقراطي المسيحي من يمين الوسط ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني، مازحاً: «من وجهة النظر الأوروبية، لا يُعَدُ ساندرز يسارياً مُتشدداً على الإطلاق؛ بل يمكننا الترحيب به عضواً في حزبنا اليميني».

الصفحات