الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  أنثى تستحمّ في نهر الإحساس!

أنثى تستحمّ في نهر الإحساس!

أنثى تستحمّ في نهر الإحساس!

بقلم: د.سعاد درير كاتبة مغربية
لِنَقُل إن رجُلا واحدا معادِل لحَبَّة القرنفل (عود النّوار)، إنها الحبة الفواحة تلك التي تزيح ظلمة النفس، فإذا به (الرجُل) يجتاح دائرة المرأة المغلقة ليُصَيِّرَها عبِقة كما لم تَكن..
ولا غرابة أن نَجد الرجُل في أغلب الأحيان هو الأكثر قدرة على التسلل إلى عالَم المرأة الغامض، ومن ثمة تكون بداية محاولة فهمه وكأن الرجُلَ خُلِقَ ليفهم المرأة ويخفف شيئا من الرؤية الضبابية تلك التي تُسَيِّج مساحة المرأة الفارغة في غياب الرجُل المشجع على امتلائها..
إنه الامتلاء الذي ما كان لداليته إلا أن تسقينا من ثمارها ما يداوي لوعة الشوق وشغف اللهفة إلى معانقة عصافير الحُلم الهاربة بعيدا عن حضن التمني واشتهاءات ما قبل أن تشرق شمس العمر على سماء لا تكفي..
عن هذا وذاك يحكي لنا الأديب الفرنسي غوستاف فلوبير القابع تحت قبة الواقعية ليتفرغ لممارسة عشقه اللذيذ، إنه عشق الكتابة بحرقة صدر المعاينة المجهرية الأرحب من قَلم يَسيل لعابُه..
«مدام بوفاري» هي الرواية الأكثر شهرة في العيون العربية منذ جنتها أصابع الكاتب الخلاَّق غوستاف فلوبير وهو يَغوص في أدغال النفس الأنثوية الحالمة بالطيران ولا أجنحة..
وكيف للأجنحة المستعصية أن تَقف على قَدم وساق خلف قضبان بيئة ريفية على امتداد القرن الفرنسي البائد ذاك الذي يجيد امتشاق مقصه الحاد ليَفصل الساق عن الساق ويُركِعَ الأعناق؟!
«إيما» الشقية التي توجها قَدَرُها بلقب «مدام بوفاري» لم تكن لتتفوق بشيء في ما يتعلق بفنون الحياة، فما بالنا حين تزج بها الظروف الريفية في قلب مؤسسة الزواج!
وأي زواج هذا الذي فَصَّلَهُ لها القَدَر على غير مقاس التمني؟!
إنه الزواج من الأرمل «شارل بوفاري» ذي العيون الجافة التي لم تَرْقَ إلى مستوى طموح وانتظار الصغيرة الحسناء إيما، وإن لم يَفُت هذا الأرمل أن يسجل إعجابَه بها لأول وهلة..
إنها إيما الهائمة في سطور الروايات الرومانسية الحالمة بالغيث في غير مواسم الجفاف، فكيف لها المسكينة أن تَحلب الغيمة الهاربة عن زمنها غير الواعد بزخات مطر الحُبّ؟!
الأرمل شارل بوفاري لم يَكن أكثر من فرصة للهروب بالنسبة للصغيرة إيما تلك التي سجنها والدها القسّيس في دِير الراهبات لتتعلم شيئا من القيم والمثل المسيجة لجسد الأنثى، ولماذا؟! ما كان ذلك إلا خوفا عليها خشية أن تستسلم لإغراءات الحياة..
هل كان والد إيما يدري شيئا عن هوس ابنته بالإبحار في قصص الحبّ والغرام؟!
هل كان يتوقع أن تنجح راهبات الدير في قصقصة أجنحتها الصغيرة قبل أن تكبر وتتمدد؟!
هل كان يَعي وقْعَ الصدام الذي سينتهي بابنته في ظل حضارة آنذاك لم تَكن لتستجيب لاشتهاءات الأنثى إلا خلسة؟!
أم تراه كان يجهل أنه يربي المارد الذي سيأكل نفسه إن لم يبلغ سقف ما يشتهيه؟!
لذلك قُلنا إن القيود التي كانت ترسم حدود عالَم إيما الضيق وجدت في ظل الأرمل شارل بوفاري البابَ الضيق الذي منه تَفِرّ هي إلى عالمِ مَا لذ وطاب، غير أن الصغيرة التي تسبق قدماها زمنَها لم تكن تعرف أنها ستقبض على السراب..
الركض خلف الذة الهاربة، والاشتهاء والهوس والاستماتة في وصال الغائب بروحه الحالفة أن تنفصل عن جسده الموغل في النزق، وذيل الخيبة الجلاَّد لروح الأنثى، والعبث بما يرسمه القلب الصغير من سماوات أملٍ وأشجار حُبّ دافئة وعصافير، كل هذا الذي تمتصُّه اسفنجة العبث في عالَم إيما بوفاري ينجح الكبير غوستاف فلوبير في أن ينقله إلينها بأمانة..
إن الكاتب المتمرس يتسلل إلى عوالم الشخصية الأكثر قدرة على الفعل الروائي، فإذا به يجتهد ليصف لنا هذه العوالم الخفية كما لا يعرفها الآخَر/ المتلقي:
- شخصية إيما بوفاري: أنثى دافئة روَّضتها روايات الحُبّ والعشق على التأهب لحياة ساخنة تحت القمر الشاهد على اندفاع رغبات أنثى ما كانت لتقبع بين أربعة جدران متداعية تُرَتِّب لاختلاس الحُبّ الممنوع من شقّ الجدار..
- شخصية شارل بوفاري: طبيب معدم، ظَلَّ كالحَصاة التي تدفعها الريح، يقفز من ضيعة إلى أخرى ليضرب أكثر من موعد للشفاء لمرضاه البؤساء، بينما أخفق هو في أن يضرب لزوجته الصغيرة موعدا يُذكَر لضخ دماء الحُبّ في شرايين الحياة الزوجية التي انتهى بها المطاف إلى شجرة تموت واقفة..
- شخصية الشاب ليون: هو أول من اقتحم عالم إيما المغلَق، فإذا به ينشط دورة الحُبّ الدموية وهو لا يتوانى عن أن يفتح بشجاعته نوافذ قلبها الذي كان يشتعل رغبة تأكلها كما تأكل النار الحطب، لاسيما وأنه عاد بها إلى ذاكرة الفن والشِّعر والأدب والجمال الفني وما إلى ذلك من موائد يشتهيها العقل ويثمنها الإحساس الذي أقسم أن يتمرَّد على يدي الطبيب شارل بوفاري الخشنتين اللتين لا تفرقان بين الورد والشوك..
- شخصية الثري رودولف: صعقته الأنثى الساكنة في دواخل إيما التي صفعته بحسنها وأناقتها لما استخسر أن يجدها في بيت شارل الذي لا يُجيد تقدير عِطر أنثى موعودة لزمن آخَر.. لذلك ناضل الثري بالحيلة إلى أن أركع إيما تحت قدميه وهي تهذي حبّا له: «تهيَّأْتُ لكَ».. وماذا بعد؟! لا شيء، فالقصة معروفة، تفانى الثري في استغلالها عاطفيا إلى أن زهد فيها ورحل تاركا قلبَها المعذَّب يَلهث لُهاث الكلاب المتعطشة لماء ليس كالماء..
- شخصية التاجر المستبدّ: هو الآخَر أخذ حقه من كعكة الحُبّ (إيما) تلك التي كانت تُسيل لُعابَ الرجال، ومتى؟! بعد أن أغراها بالتحف والنفائس التي كانت تُوَقِّعُ على سنداتها دون أن تدفع المال إلى أن تراكمت ديونها وأجبرها على الدفع نَقدا وجَسَداً.. ومن ثمة كان بداية النهاية وهي تخطط للانتحار هربا من حياة لم تُقنِعها يوما..
هناك، إلى جانب ما مَرّ من شخصياتٍ، نَجد الأبَ القسِّيس الذي أخطأ الاختيار لابنته منذ تزويجها بالأرمل الفقير، والصيدلي الذي سيشارك عن غير دراية في الجريمة النائمة (الانتحار تسمما)، والحفيدة (ابنة ايما) التي كانت ثمرة علاقة فاشلة داخل مؤسسة الزواج الذي لم يعترف برغبات أنثى قرأَتْ الكثير عن الفارس الذي سيَقودها إلى الجنة، في حين قادها الزواج بالأرمل بوفاري إلى الجحيم الذي لا يُقِرّ بالحبّ..
غوستاف فلوبير من خلال روايته الموجِعة النهايات يثبث لنا أن عالَم المرأة لا يختلف عن بئر سحيقة تهدِّد بدَفن قلب الأنثى الذي تمزقه أَذْرُع قَدَرِه الذي لا يعترف بحق الأنثى العاشقة في ممارسة لعبة الحياة..
إنها أتفه لعبة قد تسمح الأنثى لنفسها بأن تصدقها أوان اشتعالها، لكنها قبل أن تخفت ستطوي معها الأحلام والمنى، فإذا بها تأكل كل رغبات الأنثى المنقادة إلى شعلة الدفء وهي لا تعرف أنها فوهة البركان الذي سيلتهم القلب والجسد..
لا شيء هنا في وسع الأنثى أن تنقذه سوى الروح التي تتلظى حرقة على ما مضى وكفراً بما ستجره الأيام من خريف لن يرحل إلا بعد أن تسقط ورقتها الأخيرة..
لذلك قلنا إننا في رواية غوستاف فلوبير هذه سنجد أننا إزاء أكثر من نهاية قيَّدَ بها الكاتب حرية الأنثى الخاضعة، أو لِنَقُلْ إنها الأنثى المستسلمة على غير عادة البطل الروائي أو الشخصية المحورية..
إنها نهايات:
- النهاية الأولى: نهاية حياة صغيرة في بيت القسِّيس الذي عزم على أن يقوم بترحيل فَتاته إيما إلى دير الراهبات خوفا من تمردها وانفلاتها..
- النهاية الثانية: نهاية حياة الأسوار التي قبعت داخلها إيما وهي أسيرة أوامر ونواهي راهبات الدير اللواتي فشلن في تطويعها هي المثابرة على الإبحار في عالم الروماسية والفرسان الذين استدرجتهم إليها روايات الحُبّ المهرَّبة، ولم تتنفس الراهبات الصعداء إلا بعد أن جاء والد إيما ليستعيدها..
- النهاية الثالثة: نهاية حياة العبث والتمرد التي تصورت فيها إيما أن يكون شارل بوفاري المنقِذ أو الفارس الذي سيحملها على حصان الوهم لا الحقيقة ما أن طلب الزواج بها ووافقت هي من باب الهروب من أبيها لا غير..
- النهاية الرابعة: فشل مؤسسة الزواج في لجم ألسنة رغباتها وكبح أحلامها حتى وهي في ظل زوج لا يمكن أن يوصف بغير الزوج الفاشل، وهو ما حكم على إيما بأن تصبح بطلة مسلسل المرض والوهن الذي استدعى تشخيص أعراضها وأن تكون وصفة العلاج عبارة عن تغيير المكان في اتجاه الطبيعة التي ازدادت إيما ولعا بها..
- النهاية الخامسة: فشل تعلق الصغيرة إيما بليون ذلك الشاب الذي أعجب بجمالها الفتّان ورجاحة عقلها وهما يتبادلان الخبرات الأدبية والفنية إلى أن ألقى بها في حفرة الحُبّ ونال منها في نهاية المطاف..
- النهاية السادسة: فشل الإيمان بحب الثري رودولف الذي وعدها بالخيول والنزهات بحجة استرداد صحتها إلى أن أوقع بها بين مخالبه ورمى بها بحقارة إلى خارج عالَمه..
- النهاية السابعة: الكفر بالمنقذ التاجر الذي استل سندات ديونها المتراكمة وأجبر زوجها المغفل على الدفع بعد أن سلَّمته مفاتيح أبواب جسدها وما عادت تلبي نداء اشتهاءاته..
- النهاية الثامنة: تزامنت مع عودة الشاب ليون الذي وجدها طيعة لتخوض معه معركة الشهوة التي يَغيب دخانها ما أن يستسلم الجسد راكعا، فإذا بالشاب ليون هو الآخَر يرحل زاهدا فيها..
- النهاية الأخيرة: إنه موعد اتصال إيما بصيدلي البلدة الذي كان من المرحبين بأسرتها ما أن بلغت البلدةَ، تظاهرت إيما بطلب شيء من الزرنيخ الذي ينفع في محاربة الفئران، فإذا بها تشتهيه لنفسها التي ما عادة تتحمل صدمات الحب وكهرباءه وخيانات بالجملة تَلوي عنقَ المشاعر..
إن من غير العدل ألا نقول إن رواية غوستاف فلوبير هذه ثروة أدبية، وأكثر من هذا فإن في رواية فلوبير هذه تشخيصا دقيقا لحمى الذات الأنثوية التي تَكفر بغياب العاطفة المسيِّجة لحاضر وآفاق المرأة التي لا يطيب لها إلا أن تستحم في نهر الإحساس ذاك الذي بدونه يصعب إن لم يَسْتَحِلْ التأقلم مع دنيا الناس..
والعبرة من درس مدام بوفاري، على حد رأي غوستاف فلوبير، هو أن ينتبه الرجُل الغافل إلى السمكة الجميلة تلك التي يسعد هو بأن تتراقص أمام ناظريه وتراقصه، لكنه لا يعلم أن السمكة لا تجيد الحياة بعيدا عن البحر، ولا بحر غير الإحساس ذاك الذي كلما ألقى فيه الرجُل بالمزيد من حطب الحُبّ ازداد اشتعالا يُلْهِمُ ويُلْهِبُ الأنثى إحساسا به..
من هنا تحية للخلاَّق المتمكن غوستاف فلوبير.

الصفحات