الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  «فتنة قانون المحروقات» في الجزائر «1»

«فتنة قانون المحروقات» في الجزائر «1»

عبد النور بن عنتر كاتب وباحث جامعي جزائري في فرنسا
عموماً، تملي الحكمة والحنكة السياسيتان على أي سلطة، تسلطية كانت أو ديمقراطية، ألا تفتح جبهاتٍ هي في غنى عنها، في ظروف سياسية غير مواتية، حتى تقي نفسها تبعات ذلك، وعناء الإقناع، لأنه لن يؤتي أكله، بما أن الظرف غير مناسب. ويعد هذا من أبجديات الممارسة السياسية العقلانية. طبعاً قد تكون في الأمر حيلة لتوظيف قضيةٍ ما، سعياً إلى التلاعب بالرأي العام وإلهائه، ولو إلى حين، حتى لا يهتم بأمهات الأمور، بيد أن تلك القضية «الإلهائية» قد تكون، هي الأخرى، من أمهات الأمور. وفي هذه الحالة، الخلل السياسي يكون أعمق مما يتصوّر العام والخاص. ينطبق هذا التحليل على السلطة الجزائرية الحالية التي أقرّت قانوناً جديداً بشأن المحروقات (يتضمن في ما يتضمن تسهيلات وتحفيزات ضريبية وجمركية، كما يحدّد مهلة العقود مع الشركات الأجنبية بثلاثين سنة، تنقيباً واستكشافاً واستغلالاً)، والذي سيُقدّم للبرلمان للمصادقة عليه (كرجل واحد كعادته)، في ظرف سياسي على درجةٍ عاليةٍ من التعقيد. قانون يضع البرلماني، المفقود الشرعية هو الآخر، في مأزق: إما التصويت على القانون رضوخاً للسلطة التنفيذية، كما تعود على ذلك، أو إرضاء للحراك. ولكن التجربة التاريخية والسياق الحالي (الرفع المتتالي لحصانة البرلمانيين لغرض اعتقالهم ومحاكمتهم) يفيدان بأن التصويت على هذا القانون، المثير للجدل، تحصيل حاصل. صحيحٌ أن متظاهرين حاصروا مقر المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى للبرلمان) في العاصمة الجزائرية، لمطالبة النواب بعدم تمرير القانون، وصحيح أن إلغاء قانون المحروقات تصدّر مطالب الجمعة الرابعة والثلاثين للحراك الشعبي، إلا أن منطق المفاضلات (التصويت أو رفع الحصانة) حسم عملياً الأمر. تعيش الجزائر حراكاً شعبياً غير مسبوق، منذ فبراير 2019، فالسلطة لا هي قانونية (بسبب الفراغ الدستوري، تجاوز المهلة الزمنية المحدّدة دستورياً بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة) ولا هي شرعية (بسبب الرفض الشعبي لها)، ناهيك بكل ما يصدر عنها من قراراتٍ وتشريعات، فما الذي جعل السلطة الجزائرية الحالية تطرح مشروع قانون يخص قطاعاً استراتيجياً في البلاد، باعتباره عماد اقتصادها ومصدر لقمة عيش شعبها؟ سؤال تصعب الإجابة عليه، سيما أن المقاربة العقلانية والواقعية السياسية، حتى في نسختها الأكثر مكيافيلية، لا تساعد كثيراً على فك طلاسم هذا القرار، إذ ليست المشكلة بالضرورة في مضامين القانون، وإنما في توقيت طرحه.
(يتبع)
{ عن (العربي الجديد)

الصفحات

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below