الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  وساطة قطر بلا أجندات في أفغانستان

وساطة قطر بلا أجندات في أفغانستان

وساطة قطر بلا أجندات في أفغانستان

حوار - محمد حربي
أشاد سعادة السفير عبدالحكيم دليلي، سفير الجمهورية الإسلامية الأفغانية بالدوحة، بدور دولة قطر في دعم استقرار أفغانستان، موضحا أن دبلوماسية الوساطة القطرية بلا أجندات خاصة، وأن القطريين صادقون في تحقيق المصالحة بين الأفغان، مشيرا إلى أن فتح مكتب لحركة طالبان فوق الأراضي القطرية، خدم حكومة كابول، لأنه فتح الطريق أمام المفاوضات المباشرة والتسوية السياسية مع قيادات الحركة، الذين بدأوا ينخرطون بعد ذلك في العمل السياسي، لافتا إلى أنهم يتطلعون إلى طي صفحة القتال الداخلي، الذي استمر نحو 40 عاما، ليبدأ الجميع المشاركة في مرحلة البناء، والفرصة متاحة للكافة عبر الانتخابات، مشددا على أنه اتبع منذ وصوله الدوحة سياسة الباب المفتوح مع أبناء الجالية، ويرحب بهم دون مواعيد مسبقة، منوها بأن الأفغان قدموا مليونا ونصف المليون شهيد للدفاع عن أرضهم، وكانوا حائط الصد لمنع الروس من السيطرة على الخليج، وأطماعهم في النفط الخليجي، زمن الحرب الباردة، معتبرا أن الأزمة الخليجية كسحابة صيف، والصلح بين الأشقاء خير.. جاء ذلك في حوار خاص لـ الوطن على هامش استقباله الجالية الأفغانية لتبادل التهاني بعيد الأضحى المبارك، وفيما يلي نصه:
} بداية.. كيف قضيتم العيد في الدوحة؟
- عقب صلاة العيد، توجهنا مباشرة إلى قصر الوجبة، لتقديم التهاني والتبريكات إلى مقام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، كما التقينا بأصحاب السادة السفراء، ورجعت لدار السفير واستقبلنا المهنئين من أبناء الضيوف والأصدقاء، وفي ثاني أيام العيد، قمت بجولة على عدد كبير من أبناء الجالية الأفغانية، والتزاور معهم والمعايدة على كثير من الشخصيات والأصدقاء القطريين، وفي ثالث أيام العيد قمنا بفتح أبواب السفارة، لاستقبال كل من أتيحت لهم الفرصة من أبناء الجالية للحضور وتبادل التهاني بالعيد معهم، وبينهم، وبين بعضهم البعض، حيث كانت فرصة للتواصل مع بعضهم البعض، والتعارف بينهم، وهذا تقليد مستمر منذ سنوات، ونحن نحافظ عليه.
عادات وتقاليد
} هل تختلف طقوس العيد هنا عن أفغانستان؟
- في أفغانستان 90 بالمائة من المسلمين، وهؤلاء يستقبلون الأعياد، بطقوس أفغانية خاصة، من شراء للملابس، وتفصيلها، وتغيير أثاث المنزل، والدهان بالصبغة الجديدة، وتزيينه بالزينة، ومن ثم فالعادات والتقاليد في العيد، هي نفس العادات والتقالية القطرية والإسلامية تقريبا، حيث نبدأ في أفغانستان عقب صلاة الفجر، بالتوجه لأداء صلاة العيد، وبعدها يتم النحر وذبح الأضحية، في اليوم الأول، يكون اجتماع الأهل، وتبادل الزيارات بين الأقارب، وبعضهم البعض، واليوم الثاني، يكون لتبادل الزيارات مع الأصدقاء، ويستمر هذا حتى ثالث أيام العيد، ويتخللها، خروج الشباب إلى بعض الأماكن العامة، للمرح وبعض الألعاب، ومنها سباق الخيل، ومهارات الفروسية
} ما السمات المميزة لعلاقات الأفغان ببعضهم البعض والسفارة في قطر؟
- علاقاتنا ممتازة جدا، ونتعامل مع الجميع بسياسة الأبواب المفتوحة، لا نحتجب عن الناس، وقد خلعنا قميص البروتوكولات في تعاملنا مع أبناء الجالية، ومنذ اليوم الأول لوصولنا وتسلم مهامنا كسفير لأفغانستان بالدوحة، أعلنا سياستنا بكل وضوح، أنه بإمكان أي أفغاني أن يحضر مباشرة إلى مكتب السفير، ومقابلته، دون الحاجة إلى الحصول على إذن، أو موعد مسبق، بل ولا حتى مراعاة أي عوامل زمانية ومكانية، فأينما كان وتواجد السفير، فهو دائما في خدمة جاليته، ورعاية مصالحها
ولذلك فإن العلاقة بين السفير والأفغان في قطر، هي وثيقة وقوية، ونحن فخرون بجاليتنا، التي لا يتجاوز تعدادها الخمسة آلاف أفغاني، لما لهم من سمعة حسنة وطيبة، ويحظون باحترام وحسن معاملة القطريين، ويوجد بينهم ألفة، وترابط شديد، لا تفصلهم الحزبية، ولا الروح القبلية المتعددة، والجميع يعيشون كأسرة واحدة، وهذا شيء جميل جدا، وهم يحترمون قوانين وعادات وتقاليد البلد المضيف في قطر.
عظمة الأفغاني
} إلى أي مدى تحررت الجالية من الخلافات الداخلية في أفغانستان؟
- هذا شيء مهم جدا، إنه على الرغم من الخلافات السياسية الداخلية في أفغانستان، إلا أن المواطنين الأفغان لم يتأثروا بها، وهم جميعا على قلب رجل واحد، يعيشون في وئام ومحبة بين بعضهم البعض، وكلمتهم موحدة، ويعكسون صورة طيبة عن عظمة الإنسان الأفغاني، الذي يقف بجانب أخيه في الغربة.
} دعنا ننتقل من هذه الروح بين أبناء الجالية، إلى الحديث عن المصالحة الوطنية الأفغانية.. كيف تقرأ المشهد؟
- ينبغي أن نقرن الحديث عن المصالحة الأفغانية، بتقديم الشكر الجزيل إلى دولة قطر، قيادة وحكومة وشعبا، وعلى رأسهم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، على الجهود العظيمة التي بذلتها، وما زالت تبذلها في سبيل إنهاء الصراع الدائر في أفغانستان، وحقن الدماء، ولم الشمل الأفغاني، وتحقيق المصالحة الشاملة، ومن خلال اللقاءات المستمرة مع عدد من المسؤولين القطريين، جميعهم، أكدوا لنا، مواصلة واستمرار دولة قطر، في تقديم كافة سبل الدعم والتسهيلات للأطراف الأفغانية، ولابد الأخذ بعين الاعتبار أن هناك طرفا رئيسيا هو الأميركي، والشيء الإيجابي جدا، أنه ليس لدولة قطر أي أجندات، سياسية أو شخصية، بعكس ما رأيناه خلال مسار المصالحات في السابق، حيث كانت الجهات الراعية، بطريقة أو أخرى، لديها أجندات خاصة وسياسية.
}ما الخطوات التي قمتم بها منذ مجيئكم للدوحة؟
- نحاول أن يكون هناك تنسيق، بشكل أكثر، لأن هذا ما نحتاجه بشكل أفضل وأكثر، ولدينا ثقة بأننا قادرون على توحيد الرؤى، لتحقيق ونيل الهدف المشترك، وإيجاد المصالحة، ووقف الحرب الدائرة في أفغانستان، ونأمل أن تلوح في الأفق بشائر الخير للأفغان، بانتهاء الحرب، حتى نجني الثمار، بالاستفادة من الموارد والخيرات الوفيرة هناك.
جني الثمار
} ماذا تحتاجون حتى تجنوا ثمار الخير في أفغانستان؟
- تحقيق الأمن، والاستقرار، وهذا سوف يتحقق، بإرادة المصالحة، وبجهود قطرية، وننتهز الفرصة لتقديم الشكر والامتنان للقيادة القطرية، ومساعيها الحميدة من أجل إحلال السلام في أفغانستان.
} ما أهمية ألا يكون للوسيط أجندات خاصة عند القيام بمهامه بين الأطراف؟
- هذا شيء جوهري جدا، لأنه من أهم صفات الوسيط، حتى ينجح في مهمته، ألا تكون له أجندات خاصة، وهو يقوم بدوره للمصالحة بين الأطراف المتخاصمة والمتنازعة، والمتناحرة، ليس لشيء، سوى كسب رضا الله، وتأليف قلوب المتقاتلين، خاصة حينما يكونون أخوة، وأبناء وطن واحد، ولذلك فشلت من قبل كافة التجارب التي انحازت إلى طرف دون الآخر، أو كانت لها مآرب أخرى.
} إذن من خلال متابعتكم، كيف تنظرون إلى تجارب دولة قطر السابقة في مجال الوساطة؟
- بحكم تكويني الشخصي، ودراستي منذ الصغر في دولة قطر، بداية من المعهد الديني، ثم التحاقي بكلية الهندسة، والعمل بها كمعيد، عقب تفوقي، وحصولي على المركز الأول ولذلك فقد عايشت السياسة القطرية، ذات دبلوماسية الوساطة، النشطة والفاعلة والناجحة جدا ولدولة قطر حضور مثمر على الصعيد العالمي، والمنطقة، وعلى مختلف الأصعدة، وتركت بصمات واضحة في كافة المسارات، وحققت نجاحات في جميع الوساطات، كما تحقق في النموذج اليمني، وجيبوتي، والسودان ودارفور، وجميعها كانت إيجابية، وهذه التجارب، تعطينا أملا كبيرا لتحقيق المصالحة الأفغانية، وإسدال الستار على نزاع وحرب استمرت نحو 40 عاما، ويكون ذلك نقطة مضيئة أخرى في سجل الوساطة القطرية، الحافل بالإنجازات والنجاح.
الدبلوماسية القطرية
} ما الذي تتسم به الدبلوماسية القطرية على الصعيد الدولي والخارجي ؟
- سر نجاح دبلوماسية الوساطة القطرية، هو الدراسة الدقيقة والمتأنية للموقف، ومحاولة فهم تركيبة الأطراف المتصارعة، والمتناحرة، حيث تأخذ العامل النفسي، موضع الاعتبار، مما يعطيها القبول عند الجميع، بالإضافة إلى ذلك هو الخبرات المتراكمة من تجاربها السابقة، فضلا عن مصداقيتها، وعدم وجود أجندات خاصة، مع تقديم كل الدعم السخي، في سبيل تحقيق أي مصالحة، يتم بها حقن الدماء بين المتقاتلين، وتوفير الأمن والاستقرار للمدنيين، وحماية المجتمعات من الانهيار، وكل ذلك وضع دولة قطر على خريطة الدبلوماسية العالمية الفاعلة، وصارت من أحد المراكز السياسية القوية المهمة بالمنطقة، وعلاقاتها القائمة على الاحترام مع قوى عظمى عديدة عالميا، رغم محدوديتها الجغرافية، والديموغرافية.
} على ذكركم للعوامل الجغرافية والديموغرافية، هل نفهم من ذلك أن معايير القوة والفاعلية العالمية تغيرت في عصرنا الحالي؟
- هذا حقيقي، وبالفعل قطر نموذج حي لذلك، حيث نرى حضورها الفاعل على الساحة الإقليمية والدولية، ودبلوماسيتها النشطة عالميا، وعلاقاتها التي تزداد اتساعا، وتعاونا مع المجتمع الدولي، ودورها الرائد في المنظمات الأممية، والمتخصصة، ودعمها السخي للأنشطة الإنسانية في كل مكان، بعدة مجالات، كالتعليم، والصحة، والإغاثة، وغيرها، كل ذلك يؤكد أن المعايير القديمة في أوزان الدول قد تغيرت، ولم تعد تقف عند المساحة الجغرافية، والتعداد الديموغرافي، وحل محلها، مدى القوة الاقتصادية، والفعالية الدبلوماسية.
الطريق الطويل
} ما الذي جعل طريق المصالحة الأفغانية طويلا حتى الآن؟
- حتى نتحدث بصراحة شديدة، هناك دول عديدة خارجية، إقليميا ودوليا تستخدم أفغانستان أرض لتصفية الحسابات عليها، وهي وراء إشعال الحرب بين الأفغان منذ أربعين عاما، وبالتالي، فإن كافة المعارك فرضت على الأفغان، ولم يكونوا هم الذين أطلقوا شرارتها الأولى، سواء الغزو الروسي، أو دخول المتطرفين والإرهابيين، الذين دخلوا البلاد خلال فترة الجهاد الأفغاني ضد الروس، ثم ظهرت أطراف أخرى من الخارج تقوم بتمويل عناصر إرهابية داخل أفغانستان، لزعزعة الاستقرار، وعرقلة جهود الحكومة الأفغانية، التي لم تجد أحدا من الأصدقاء يقف بجانبها، وأستمر الحال حتى مؤتمر بون بعد عام 2002، ولم يتحقق الاستقرار للأفغان، بسبب عدم جلوس طالبان على طاولة المفاوضات، أو الوصول إلى رموزهم، إلى أن تم فتح مكتب لحركة طالبان بالدوحة في عام 2013، ومعه بدأت بارقة أمل في إيجاد تفاهمات وأرضية مشتركة مع قيادات الحركة للوصول إلى مصالحة ووقف القتال، خصوصا في النظام الحالي في أفغانستان، وإعلان فخامة الرئيس أشرف غني أحمدزي، الاستعداد للمصالحة مع طالبان، دون أي قيود أو شروط مسبقة، في سبيل تحقيق الصلح الأفغاني.
مكتب طالبان
} كثر الحديث عن قبول قطر فتح مكتب لحركة طالبان في الدوحة، فما تعليقكم؟
- هذا حدث بالتنسيق مع الإدارة الأميركية، وجعل لقيادة طالبان عنوانا، وصارت لديهم عناصر سياسية لديها صلاحيات التفاوض، يمكن للنظام الأفغاني، التواصل معهم، لإيجاد التفاهمات الخاصة بمسألة المصالحة، ووقف القتال، لأنه لا أحد يستفيد من استمرار إراقة الدماء، والجميع خاسر في النهاية، ولذلك، فإن قطر قامت بدور كبير في ذلك، وقربت المسافات بين كافة الأطراف، ونتمنى من الإخوة في حركة طالبان، أن يضعوا المصلحة الأفغانية العليا فوق أي إعتبارات خاصة، وأفغانستان مفتوحة أمامهم للعودة إلى حضن الوطن، وهم آمنون مطمئنون، ينخرطون في الميادين السياسية، ويخوضون الانتخابات، بمن أرادوا من مرشحين، يستطيعون أن يأخذوا مكانهم في مسيرة بناء أفغانستان، لأنهم هم جزء أصيل من الأفغان، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا.
} لماذا كانت أفغانستان، مستهدفة دائما؟
- هذا يطول شرحه، لأن له جذوره التاريخية، ولكن نستطيع أن نشير في عجالة، إلى أبرز الأسباب، التي تكمن في الموقع الإستراتيجي لأفغانستان، الذي جعلها دوما، هدفا للغزاة، وبوابة مرورهم، كما في حالة الإسكندر المقدوني، الذي كان يقصد الهند، والمغول وهم في طريقهم إلى بغداد، ثم الإنجليز، ثلاث مرات، وأخرها 1919، وحقق الأفغان انتصارا عليهم، وسوف نحتفل بمرور المئوية على هذا الحدث، ثم الروس، خلال الحرب الباردة مع أميركا، ولم تكن وقتها أفغانستان، هي المحطة الأخيرة للأطماع الروسية، بل كانوا يقصدون السيطرة على الدول الخليجية، من أجل وضع يدها على منافع النفط، البترول الخليجي، ضمن المنافسة بين الكتلتين الشرقية والغربية، وحلف وارسو والناتو، إلا أن الشعب الأفغاني، تصدى للهجوم الروسي، وقدمنا مليونا ونصف المليون شهيد من الأفغان للدفاع عن أراضينا، وعن أمتنا الإسلامية، ولا يمكن أن ننكر دعم العالم الإسلامي لنا، وخاصة مواقف دولة قطر المشهودة بجانبا آنذاك.
} أخيرا كيف تنظرون إلى الأزمة الخليجية الراهنة، في ظل الحصار المفروض على دولة قطر؟
- نحن ننظر إليها، كسحابة صيف بين الأشقاء، ولدينا ثقة كبيرة في أنها سوف تتبدد هذه الغيوم، وتصفو الأجواء بين جميع الأطراف، لأن الحصار يضر بالجميع، وله تأثيراته السلبية اجتماعيا، وعلى العوائل والأسر، بفعل خصوصية العلاقات الخليجية المتداخلة، والنسب بين العائلات والقبائل العابرة للحدود الجغرافية لكل دولة، وأفغانستان، نأمل أن يجلس الجميع على طاولة المفاوضات، والصلح خير.

الصفحات

اشترك في خدمة الواتساب
إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below