الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  الضفّة الغربية في نظرية الأمن القومي الإسرائيلي «2»

الضفّة الغربية في نظرية الأمن القومي الإسرائيلي «2»

ساري عرابي كاتب فلسطيني
يُضاف إلى العامل الأمني الاستراتيجي؛ عوامل أيديولوجية ودعائية وديموغرافية. فـ«غوش دان» لا تكفي لاستيعاب التزايد السكاني الإسرائيلي الذي يرفض التمدد إلى النقب الذي يشكّل المنطقة الأكبر في أرض فلسطين الانتدابية، لتكون الضفّة الغربية هي المكان المفضّل للتمدد السكاني الإسرائيلي الاستعماري، وهي أساسا لبّ الأيديولوجيا الصهيونية، ودعاية استقطاب المهاجرين، باعتبارها «أرض إسرائيل التوراتية».
هذه العوامل كلّها تجعل من الضفّة الغربية، ولو في حدود معيّنة، محلّ إجماع إسرائيلي، يجد فيها تعويضا نسبيّا عن العمق المفقود في بيئة معادية. فـ«إسرائيل» كيان غير طبيعي، يشتغل على أساس كلّ الاحتمالات الممكنة في المنطقة العربية، والتحوّلات التي قد تنفتح عليها، ومن ثم، فلا مجال للنوايا الطيّبة، أو الركون لمعاهدات السلام، وإنّما لا بدّ من الأرض قاعدة ثابتة للتحرك الاستراتيجي والمناورة العسكرية. وما دامت موازين القوى تعمل لصالح «إسرائيل»، فلماذا لا تستغل هذه الموازين المواتية لها لتحقيق الاحتياجات الاستراتيجية الممكنة؟! لماذا تفضل السلطة غانتس؟! بالرغم من ذلك، ما تزال قيادة السلطة الفلسطينية، تتصرف وكأنّها تراهن على المنافسة الحزبية داخل «إسرائيل»، وذلك بعد تجربتها الطويلة التي يُفترض أنّها أكسبتها معرفة دقيقة بحدود «إسرائيل» التفاوضية، التي لا يمكن فيها أن تتنازل عن مصالحها الاستراتيجية الضرورية في الضفّة الغربية، وهو ما يفقد أي دولة فلسطينية محتملة داخل الضفة الغربية معناها السيادي.
يُستبعد أن قيادة السلطة لا تدرك ما هي حدود بيني غانتس التفاوضية، وقد كان هذا الأخير رئيسا للأركان حافظا لنظرية الأمن القومي الإسرائيلي، وواعيا بالقيمة الاستراتيجية الضرورية للضفة الغربية بالنسبة لدولة صغيرة وضيقة وفي بيئة معادية كـ«إسرائيل»، ومن ثم فهي (أي السلطة) لا تفضّله باعتبار الحلّ النهائي، وإنما باعتبار ذاتها من حيث هي، وذلك من جهتين.
الجهة الأولى، وجودها واستمرارها، فاليمين الإسرائيلي أكثر ضيقا من غيره، من القوى الفاعلة في «إسرائيل»، بوجود ممثل سياسيّ للفلسطينيين، حتّى لو اقتنع هذا الممثل، بحدوده الراهنة حدودا أبديّة، بمعنى أن السلطة ما عادت تطمح بأن تتحول إلى دولة على كامل الأراضي التي احتلت عام 1967، وهي تعلم اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، أنّ أقصى ما يمكن أن تطمح له أن تستمرّ كيانا وهدفا في حدّ ذاته، بصرف النظر عن كونها في أصلها وعدا بالدولة الفلسطينية.
وبينما يقوم اليمين الإسرائيلي بتقليص هذه الكيانية وإضمارها في قلب الإدارة المدنية الإسرائيلية الآخذة بالتضخم في الضفّة الغربية، أيّ إنّه ضمٌّ في صورة احتلال صريح، ترى المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية فائدة تلك الكيانية التي تفصل الفلسطينيين عن «إسرائيل»، وتمنح «إسرائيل» هيمنة أمنيّة واستيطانية مُجمّلة وبلا تبعات سياسية أو اقتصاديّة! أمّا الجهة الثانية، فهي التعامل في الأثناء، فبناء على رؤية كلّ من الطرفين للسلطة، أي المؤسسة السياسية اليمينية الحاكمة الخاضعة للمزايدات الحزبية، والمؤسسة العسكرية الأمنية المشغولة بالأمن أكثر من أيّ شيء آخر، فإنّ التعامل يزداد خشونة في حال المؤسسة السياسية، كالخصم من أموال المقاصّة، وهو الأمر الذي ورّط السلطة في ردّ فعل عمّق من أزمتها الاقتصادية، ومن ثم تهديد قدرتها على الاستمرار، بينما يميل الأمن الإسرائيلي إلى عدم إحراج السلطة؛ بما من شأنّه أن يضعف من قدرتها على القيام بمهمتها، أي فصل الفلسطينيين مع استمرار الفعل الأمني الإسرائيلي المباشر.
على ضوء ذلك، يتضح أن استراتيجية السلطة تجاه الفرقاء الإسرائيليين تتعلق بذاتها لا بمشروع تحرّريّ أكبر، وهو ما يجعل من الشقّ الواقعيّ الاستعماريّ مما يُدعى بـ«صفقة القرن» يأخذ آماده ويكرّس مفاعيله بلا عقبات في الواقع.
{ عن (عربي 21)

الصفحات

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below