الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  متغيرات في عالمنا العربي مُحبة للحياة لا شمطاء

متغيرات في عالمنا العربي مُحبة للحياة لا شمطاء

رشا عمران كاتبة سورية
يعرف قاموس المعاني الجامع مفردة «الشمطاء» بأنها اسم فاعل من فعل شَمِطَ، وهي المرأة التي اختلط سواد شعرها ببياضه، ومذكرها (أشمط)، أي الرجل الأشيب، واسم (أشمط) نادر الاستخدام في اللغة العربية، إذ قليل جدا ما يوصف الرجل بأنه أشمط، أو عجوز أشمط، بينما يستخدم اسم (شمطاء) كصفة للمرأة العجوز، فيقال دائما «العجوز الشمطاء».
ورغم أن مفردة شمطاء لا تحمل أية قيمة أخلاقية أو جمالية بل هي مجرد صفة، مثل أن نصف امرأة بأنها شقراء أو امرأة سمراء، إلا أنها في المنطوق اليومي اقترنت بمعنى التحقير للمرأة الموصوفة بالشمطاء، التحقير والتنمر الذي يضع صاحبة هذه الصفة في موضع الاتهام الاجتماعي، فعادة ما نطلق، كعرب، لقب «العجوز الشمطاء» على من تجاوزت الخمسين وما زالت تتصرف كما لو أنها شابة. تصبح جملة «عجوز شمطاء» نقدا لاذعا يقترب من الشتيمة، لكنها شتيمة مهذبة، إلا أن فيها من التضمين المسيء ما يكفي، فالنسبة لنا نحن العرب ما إن تدخل المرأة سن الخمسين حتى يحتم عليها أن تتصرف بوصف حياتها قد بدأت تارف على نهايتها، فهي ليست في هذه السن أكثر من أم حنون أو جدة محبة وطبعا زوجة مطيعة، وعلى ملبسها وسلوكها أن يتناسبا مع هذه الأدوار الاجتماعية الموضوعة لها، وإلا فهي ليست أكثر من «عجوز شمطاء»، أو عجوز متصابية!
أما المخيلة العربية عن مفردة شمطاء فتشبه شكل الساحرات الشريرات في قصص الأطفال السحرية المترجمة، امرأة مسنة شعرها أشعت يختلط فيه البياض بالسواد، وجهها تملؤه التجاعيد، شفتاها يابستان وغامقتان، وعيناها مشدودتان بقوة إلى الخلف، هذا الشكل الذي قدمته الحكاية الغربية عن الساحرة الشريرة مقابل الساحرة الطيبة الشابة الجميلة التي تحيط بشعرها الأشقر هالة من النور. واللطيف أن مفردة شمطاء لا مقابل لها في اللغة الإنكليزية أو الفرنسية، استخدمها العرب في ترجمة تلك الحكايات أثناء وصف الساحرة الشريرة، وظلت في الذاكرة الجمعية العربية صفة للمرأة التي تخطت مرحلة الشباب وما زالت تتصرف كما لو أنها شابة، في إحالة إلى سوء تصرفها كما لو كانت الساحرة الشريرة التي تحول الحياة إلى جحيم.
وبالطبع، فإن مجتمعاتنا الذكورية لا تطلق لقبا كهذا على الرجل الذي تخطى سن الشباب وما زال يسلك سلوك الشاب، فقد يتم انتقاده قليلا إذا ما تمادى في سلوك ينافي قيم المجتمع، ولكن حين يكون قد تجاوز السبعين وليس الخمسين، فربما يقال عنه إنه عجوز متصابي أو (جهلة الكبر) كتلمح إلى السخرية من سلوكه، لكن لا تطلق عليه صفة تحمل معنى التحقير والتنمر كصفة (الشمطاء)، وهذا بكل حال يمكن تفهمه في مجتمعاتنا التي تعتبر المرأة كائنا قاصرا يحتاج إلى وصاية اجتماعية لا يقدر عليها سوى الذكر، الذي يتسامح المجتمع مع جميع أخطائه، بينما تحاكم المرأة على خطأ صغير قد تكون شريكة فيه مع الذكر نفسه.
ومن المدهش أننا ما زلنا، حتى اللحظة، نشتم المرأة ما أن تتعدى الخمسين بلقب «عجوز شمطاء متصابية»، رغم أن هناك تغيرا كبيرا حصل في طبيعة الحياة وشكلها وقيمها، فقد ارتفع متوسط عمر الإنسان عالميا، إذ إن مرحلة الشباب الآن تستمر حتى الستين حيث تبدأ مرحلة الكهولة، كما أن انتشار طب التجميل جعل من موضوع التقدم في السن مسألة نسبية فعلا، بحيث يمكن، للمقتدر، الحفاظ على شكل شاب وملامح عابرة للزمن لمدة طويلة جدا، هذا عدا عن أن ثمة تغييرا كبيرا في المفاهيم الإنسانية، خصوصا في السنوات العشر الأخيرة، وما حدث في عالمنا العربي وضع المرأة العربية في مواجهة مع ذاتها لأول مرة، واكتشفت قدرتها على الاستقلالية والعيش دون وصاية مجتمعية أو ذكورية، واكتشفت أن لها كيانا وجسدا وهيكلا إنسانيا عليها الاعتناء به والحفاظ عليه لأنه يخصها وحدها.
رغم أن لكل سن جمالها وألقها الخاص، ولكن التعلق بالحياة والحفاظ على الصحة والشكل الجميل الشاب والاهتمام بالمظهر، والعناية بتفاصيل الجسد وما يناسبه، والاستمتاع بنعم الحياة التي وهبها الله تعالى لنا، حتى لو تقدمنا في السن، لا يجعل من النساء عجائز شمطاوات ولا من الرجال عجائز متصابين، حتى لو تقدم بنا العمر عتيا كما يقولون، بل يجعلنا بشرا محبين للحياة، نعيشها كما ينبغي لها أن تنعاش.
بقلم: رشا عمران

الصفحات

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below