الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  دروس قطرية في إدارة الأزمات

دروس قطرية في إدارة الأزمات

دروس قطرية في إدارة الأزمات

الأزمة هي وضع قائم أو متوقع، يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار، ومخاطر تحيط بالأفراد والمؤسسات والدول.
وعادة ما تكون للأزمات آثار سلبية كبيرة، خصوصا إذا كانت مفاجئة أو غير متوقعة، وهي حالة اختبار للأفراد والمؤسسات والدول تستدعي فهما عميقا لجذور الأزمة، وحكمة بالغة في التعامل مع تداعياتها، ودقة كبيرة في رصد تطوراتها ومآلاتها، ومرونة وسرعة في اتخاذ القرارات المناسبة لاحتوائها.
والهدف الأهم في إدارة الأزمات هو الحفاظ على المكتسبات، وإعادة عقارب الساعة للعمل في الاتجاه الصحيح، وتقليل الخسائر إلى الحد الأدنى، وتحويل الأزمة إلى فرصة أو فرص قدر الإمكان.. وهذا الأمر يعتمد بشكل كبير على:
1- إدراك حقيقة وجذور الأزمة وتوصيفها بشكل دقيق
2- رسم السيناريوهات المحتملة والسيناريو المرجح وتداعياته
3- طرح الحلول الممكنة والإمكانات المطلوبة لها
4- تحديد آلية تقييم الحلول ومؤشرات نجاحها وفشلها.
وهناك عدد من المجالات التي يجب من خلالها تطبيق إدارة الأزمات السياسية، ومن بينها المؤسسات الأمنية، والوزارات السيادية والجهات الدبلوماسية والشركات والبنوك الحكومية.
والتجارب العالمية تظهر لنا منهجين للتعامل مع الأزمات؛ الأول سلبي، يعتمد على إنكار وجود الأزمة، وتجاهل التعامل معها أصلاً والتظاهر بالقوة والصلابة وعدم الحاجة للتعامل معها، وشواهد هذا المنهج كثيرة، لعل من أقربها منهجية تعامل حكومات دول الربيع العربي مع مطالب الشعوب، والأزمات التي حدثت وتفاقمت جراء استخدام المنهج السلبي مع الأزمات التي حدثت.
أما المنهج الثاني فهو المنهج الإيجابي في التعامل مع الأزمة، والذي يعتمد على الاعتراف بوجود أزمة، والعمل على التعامل معها وامتصاصها، والحد من آثارها السلبية، وتشكيل فرق عمل لإيجاد الحلول المناسبة وتطبيقها على أرض الواقع والتقييم المستمر لنتائج التطبيق، وصولا إلى التخلص من جميع آثار الأزمة، والعمل على تطوير حلول مستدامة تحقق للمؤسسة أو الدولة إمكانية الاستئناف بقوة، وتعويض الخسائر، ومضاعفة النتائج الإيجابية.
وفي أزمة الحصار الجائر اختارت دولة قطر المنهج الإيجابي في التعامل مع الحصار، واختطت لنفسها منهجا علميا وعمليا في التعامل مع الأزمة بمراحلها الثلاث، كما عبر عنها سعادة نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية، وهي مرحلة الاستجابة ومرحلة التكيف ومرحلة الاستدامة، وقد اعتمدت دولة قطر على المبادئ التالية في إدارتها للأزمة:
1- عدالة قضية دولة قطر في حفظ حقها الأصيل في الدفاع عن سيادتها واستقلاليتها.
2- عدم مشروعية الحصار بجميع أشكاله ومستوياته.
3- الاستناد للقانون الدولي كمرجعية للعلاقات الدولية.
4- استخدام جميع السبل المشروعة في إدارة الأزمة والدفاع عن مكتسبات الدولة.
5- تفعيل الدبلوماسية القطرية والعلاقات الدولية لبيان الموقف القطري من الأزمة والحصول على الدعم الدولي ضد تغول دول الحصار حاليا ومستقبلا.
6- النظر للأزمة كمهدد لأمن واستقرار المنطقة وليس دولة قطر فقط.
لقد كانت القيادة القطرية في سباق مع الزمن لإدارة هذه الأزمة، وحماية مكتسباتها من أي اعتداء خارجي، أو أي محاولة للتأثير على عجلة التنمية في الدولة.
إن التحدي الذي واجهته القيادة القطرية في مواجهة الحصار من أربع دول كان كبيرا وخطيرا جدا، ولقد حرصت كل الحرص على الانتقال السريع من مرحلة الاستجابة، والتي ركزت فيها بشكل كبير على تأمين الاحتياجات الأساسية للأفراد والمؤسسات، وتحقيق الأمن والاستقرار، والدفاع متعدد الوسائل، الإعلامي والعسكري والسياسي، ضد الحصار، ثم الانتقال لمرحلة التكيف، والتي تميزت بالوصول لحلول بديلة ومتنوعة للاستيراد من دول ومصادر جديدة، وفتح خطوط ملاحة ونقل وموانئ جديدة لتأمين معظم المستلزمات للمشاريع وللغذاء والدواء والماء، والعمل السياسي على التأييد أو التحييد للمواقف السياسية، ثم الانتقال للحلول المستدامة، والتي تميزت بفتح العشرات من المصانع والمزارع والشركات لتأمين الاحتياجات والمستلزمات محليا، وعقد شراكات استراتيجية جديدة، وإعادة صياغة التحالفات، وغيرها من الإجراءات.
وفي منهجها الإيجابي ركزت القيادة القطرية على تحقيق مفهوم الأمن الشامل بشقيه الوقائي والتنموي، والذي يغطي معظم جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية.
وقد تبنت ما يمكن أن نطلق عليه النموذج السباعي للأمن؛ والذي يتكون من:
7- الأمن الغذائي والمائي والدوائي.
8- الأمن العسكري.
9- الأمن الإعلامي.
10- الأمن الاقتصادي.
11- الأمن السياسي.
12- الأمن التنموي.
13- الأمن الاجتماعي.
وسيتم تلخيص كل مكون من هذه المكونات على شكل نقاط رئيسة، دون الخوض في التفاصيل، حيث إن كل مكون من هذه المكونات بحاجة لبحث مستقل.
أولا: الأمن الغذائي والمائي والدوائي
يعد هذا المكون من أهم مكونات النموذج الذي يؤثر بشكل مباشر على إمكانية الصمود والحياة من عدمه، ولقد أظهرت الأزمة الحالية الحاجة الماسة لدولة قطر لبذل المزيد من الجهود في تحقيق الأمن الغذائي والمائي والدوائي ولفترات زمنية ممتدة، فالأمن الغدائي والمائي والدوائي يوازي في الأهمية الأمن العسكري في الدول، فوجود مخزون غذائي ومائي ودوائي من المواد الأساسية يكفي لفترة طويلة نسبيا، مع إمكانية تغذيته بموارد محلية أو خارجية آمنة، يعد من الأولويات الملحة، إضافة لتأمين توافر الحد الأدنى من المواد الغذائية والدوائية الأساسية في السوق من الناتج المحلي، ولو كان بكلفة أعلى نسبيا من كلفة الاستيراد، وهذا ما عملت دولة قطر على تحقيقه منذ الساعات الأولى للحصار، وساعدها في ذلك الإمكانات المتاحة، وعدد السكان المناسب، والمساحة الجغرافية المحدودة، وقد تبنت دولة قطر المبادئ التالية:
1- اعتبار الموضوع أمنا قوميا، ويتم التعامل معه ماليا وإداريا واستراتيجيا على هذا النحو.
2- اختيار الفريق القيادي المناسب والكفؤ لإدارة هذا المشروع الحيوي.
3- وجود استراتيجية عمل واضحة ومعايير أداء متفق عليها.
4- وجود شفافية في العمل ونظام للمحاسبية مرتبط بالنتائج المتوقعة.
5- وجود نظام لضمان كفاءة التنفيذ على أرض الواقع مع نظام تقييم دوري.
6- عرض نتائج العمل وإنجازاته وتحدياته لأعلى سلطة سياسية باعتبار هذا الأمر قضية أمن قومي.
7- إعلان النتائج المتحققة للمجتمع في كل مرحلة من المراحل.
8- مشاركة القطاع الخاص بشفافية وتكامل في التخطيط والتنفيذ لاستراتيجية الأمن الغذائي والمائي والدوائي.
9- إنشاء مصانع غذائية ودوائية للأدوية والسلع الأساسية.
10- إنشاء مخازن استراتيجية ذات قدرة استيعابية كبيرة.
11- تعدد وتنويع مصادر الاستيراد للسلع الأساسية.
وبهذه المبادئ استطاعت دولة قطر الاستجابة لتحدي الأمن الدوائي والغذائي والمائي، وهي مستمرة في تطوير استراتيجياتها في هذا الجانب للوصول للاستدامة، وفي طريقها لذلك فقد حققت عدة نتائج مبهرة في زمن قياسي، منها الانتهاء من إنشاء مخازن غذاء استراتيجية للمواد الأساسية تكفي لثلاثة ملايين نسمة لمدة سنتين، وخزانات مياه تكفي لفترة زمنية كافية لمعالجة أي أزمة طارئة من هذا النوع، إضافة إلى تغطية 85% من احتياجات منتجات الألبان، و50% من احتياجات الدواجن، ومضاعفة المساحات المزروعة إلى 400 هكتار قابلة للمضاعفة.
ثانيا: الأمن العسكري
الأمن العسكري أمر يؤرق الدول الصغيرة دوما، وهو من التحديات التي تواجه دولة قطر بالرغم من مواردها المالية الكبيرة، لذلك فلابد من حلول بديلة تحقق لدولة قطر الأمن والأمان.
ومن المعلوم أن دولة قطر ترتبط باتفاقيات عسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وتركيا، وبالرغم من هذا التحدي إلا أن دولة قطر نجحت في اتخاذ مجموعة من الخطوات والمبادرات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، والتي ساعدتها في تحقيق الحد الأدنى من توازن الرعب الاستراتيجي، ومن بين هذه الخطوات والمبادرات:
1- تطوير القدرات الداخلية للجيش القطري من ناحية التدريب والتأهيل على أعلى مستوى ممكن.
2- اعتماد منظومات دفاعية وهجومية قوية ومتطورة، وغير معتمدة على توافر الكثافة البشرية، والتدريب عليها بشكل احترافي، وتدار من خلال كوادر قطرية نوعية.
3- زيادة عدد الاحتياطي من الجنود القطريين المدربين على الخدمة العسكرية إلى أقصى عدد ممكن من خلال تطوير برنامج الخدمة الوطنية.
4- تطوير اتفاقية الدفاع المشترك مع تركيا لتحقيق توازن رعب استراتيجي مع دول المنطقة، منفردة أو مجتمعة، ولكن في نفس الوقت لا تؤثر هذه الاتفاقية على سيادة القرار العسكري في الدولة، وضمان اليد العليا في إدارة العمليات.
5- تطوير صناعة السلاح، خصوصا الخفيف والمتوسط، من خلال شراكات استراتيجية.
6- الاستثمار في صناعة السلاح، وخصوصا المعتمد على التكنولوجيا المتقدمة من منظومات وأسلحة ذكية.
7- الاهتمام بمجال البحوث والدراسات في المجال العسكري التكنولوجي، ومحاولة تحقيق سبق علمي في هذا المجال.
8- تعزيز القواعد العسكرية الأميركية والبريطانية والفرنسية، وتطوير الاتفاقيات لتشمل الدفاع المشترك وليس الاستضافة فقط.
9- توقيع اتفاقيات ثنائية ومتعددة جديدة مع دول يمكن أن تكون داعمة في حال حدوث أي توتر في المنطقة.
إن تحقيق الأمن يعمل على حماية المكتسبات وصيانتها، ويسمح بتطوير الموارد واستثمارها، وصولا للتنمية المستدامة. وتسعى الاستراتيجية الأمنية القطرية إلى تعقيد خيارات الخصم في حال الرغبة في إلحاق الضرر الأمني والعسكري بدولة قطر، والعمل على وجود حليف موثوق به على استعداد لتحقيق توازن رعب استراتيجي، وإذا استدعى الأمر على استعداد للدفاع المشترك على أرض الواقع، مع الاهتمام بتنمية القدرات العسكرية الداخلية إلى أقصى مستوى ممكن. وقد وقَّعت دولة قطر خلال السنتين الماضيتين على عدة اتفاقيات استيراد أسلحة وطائرات، واتفاقيات تدريب ومناورات، وغيرها من الأمور التي تدعم القدرة الدفاعية لدولة قطر ضد أي تغول غير محسوب.
ثالثا: الأمن الإعلامي
الملاحظ في الأزمة أن فريق دول الحصار عمل على توظيف العديد من كتَّاب الرأي وكتاب الأعمدة في الصحف المحلية والعالمية للكتابة لصالح تشويه صورة قطر عالميا، وليس فقط محليا أو إقليميا، وهو الأمر الذي تم التخطيط له مسبقا، ومنذ فترة زمنية غير قليلة.
وقد بدأت استراتيجية الإعلام القطري في التعامل مع الأزمة باستراتيجية دفاعية توضيحية، إلى أن تبينت نوايا دول الحصار واستعدادها المسبق للحملات الإعلامية المعدة مسبقا والمدفوعة الأجر، عندها فقط سعى الإعلام القطري والموالي لتحقيق قدر من التوازن، وقلب الكفة لصالح قضيته العادلة، وكشف زيف وكذب إعلام دول الحصار.
وقد كانت أبرز معالم التغطية الإعلامية القطرية:
1- استخدم الإعلام القطري استراتيجية توحيد الخصم، وقد كان لذلك أثر إيجابي في تركيز الحملة المضادة وعدم تشتيت الجهود.
2- استخدم الإعلام القطري أسلوب البرامج الوثائقية والحوارية لدعم الموقف القطري، والذي كان له أثر كبير في فضح سلوكيات بعض دول الحصار، وبيان خططهم المستقبلية.
3- استثمر الإعلام القطري التسريبات الخطيرة، والتي أظهرت جوانب كبيرة من خيوط المؤامرة ضد دولة قطر.
4- استخدم الإعلام القطري أسلوب التقارير الصحفية والفلرز لتقديم بعض البيانات، خصوصا الاقتصادية، عن الوضع في دولة قطر للتواصل مع الشعب القطري والمقيمين.
5- بالرغم من لجوء بعض القنوات والصحف لتأزيم الوضع والتصعيد واستخدام لغة التهديد للقيادات القطرية وأصحاب القلم والرأي، إلا أن الإعلام القطري كان متوازنا ومتماسكا، ولم ينجرف نحو هذا السلوك، وأظهر سلوكا حضاريا، وقدم دروسا في الإعلام المهني.
وبالرغم من جاهزية الدول المحاصرة وتخطيطها المسبق للحصار، إلا أن هذه الأساليب وغيرها كان لها أثر جيد في إحداث التوازن في الصورة المعروضة عن قطر من قبل دول الحصار.
وقد لعبت القنوات الاحترافية المشاهدة عالميا وإقليميا أكبر الأثر في قدرة دولة قطر على إدارة الأزمة بشكل أفضل، وتوصيل وجهة نظرها ومواقفها بشكل أدق.
إن الاستثمار الذي قامت به دولة قطر في قنوات احترافية، مثل الجزيرة وغيرها، قد آتى ثماره، وأدى دوره الاحترافي في هذه الأزمة الكبيرة والحصار الخانق، لقد قامت هذه القنوات بدور دفاعي - هجومي استراتيجي، وواجهت بقوة ومهنية واحترافية وحيادية الحملات الإعلامية الممنهجة من قبل دول الحصار.
وقد تسببت مهنية الجزيرة في تغطيتها لأسباب وتداعيات الحصار وكشف الحقائق في إزعاج كبير لدول الحصار، وتعرية جميع المبررات الواهية التي تحدثوا عنها.
رابعا: الأمن الاقتصادي
بالرغم من قوة الاقتصاد القطري، والذي لعب دورا حاسما في قدرة قطر على إدارة أزمة الحصار وتخفيف آثاره، وتعقيد قدرة دول الحصار على معاقبة قطر، فإن المتابع للأزمة يعلم تماما أن خيار الاستنزاف الاقتصادي هو الخيار الذي تلعب عليه دول الحصار، وهذا خيار طويل الأجل، ويؤدي للموت البطيء، إذا لم يتم التعامل معه بالشكل الصحيح.
إن الصراع الحقيقي مع هذه الدول، خصوصا بعد بهوت الخيار العسكري، هو صراع اقتصادي، والذي يعد عصب الحياة في دولة مثل دولة قطر، لذلك فإن دولة قطر تبنت استراتيجية اقتصادية جديدة، تركز بشكل كبير على المبادئ والتوجهات التالية:
1- زيادة إنتاجية الأفراد والمؤسسات في دولة قطر.
2- تنويع مصادر الدخل من خلال التنويع الاقتصادي.
3- دعم العملة والحفاظ على قوتها في السوق.
4- إعلان المزيد من الاستثمارات الاستراتيجية للصندوق السيادي القطري.
5- تشجيع الصناعات المحلية والتركيز على قطاعات معينة من النوعية ذات العمالة المنخفضة.
6- دعم الصناعات والمنتجات القابلة للتصدير، ودعم رجال الأعمال في عمليات التصدير.
7- زيادة الاستثمار في الشركات العالمية العملاقة وتنويعها.
8- زيادة الاستثمار في مشاريع البنى التحتية للدول ذات التأثير الاستراتيجي في المنطقة.
9- فتح مجالات الاستثمار وبناء منظومات جاذبة لرؤوس الأموال، وتقديم تسهيلات وضمانات للجهات المستثمرة.
10- إنشاء تحالفات اقتصادية ثنائية وثلاثية وجماعية في مجالات معينة مختارة.
11- عقد المزيد من الاتفاقيات الثنائية بين قطر وأكبر عدد من الدول الأوروبية والآسيوية التي يمكن أن تكون لها مصالح مشتركة مع دولة قطر، لتعقيد الحسابات على أي طرف يسعى لزعزعة الاستقرار الاقتصادي في دولة قطر، خصوصا بعد شعور الدول الأوروبية باستحواذ الولايات المتحدة الأميركية على نصيب الأسد من الموارد المالية في المنطقة.
12- تعزيز التعاون الاقتصادي مع دول إقليمية ذات وزن استراتيجي في المنطقة.
وقد ساعدت هذه الاستراتيجيات الاقتصاد القطري على النمو، حيث حققت دولة قطر نسبة النمو الأعلى في المنطقة لعام 2018، بـ2.8%، ويتوقع أن يصل إلى 3% في عام 2019، وفي ذات الوقت زادت عدد الأطراف المرتبطة بدولة قطر، والمستفيدة من استقراره ونموه، حيث شهدت السندات التي طرحتها دولة قطر والبنوك العاملة فيها إقبالا شديدا من المستثمرين.
خامسا: الأمن السياسي
إن تحقيق الأمن السياسي لدولة مثل دولة قطر، تحيط بها دول قريبة لها عداوات تاريخية وأطماع شخصية واختلافات جوهرية في السياسة الخارجية، ودول بعيدة لها عداوات ولديها أطماع بثروات دولة قطر، لا يبدو بالأمر الهين، خصوصا أن دولة قطر تريد ممارسة حقوقها السيادية في إدارة سياستها الخارجية باستقلالية تامة، ووفق مصالحها الاستراتيجية.
فمعركة السيادة والاستقلالية معركة كبرى تقودها الشعوب، ولها ثمن كبير، وبحاجة لقوة صلبة وناعمة تحميها، فلا يمكنك لعب أدوار استراتيجية، والتعامل كمركز ثقل إقليمي، إن لم يكن لديك ما يحمي هذا التوجه ويعززه..
والمتمعن في السياسة الخارجية القطرية، خصوصا بعد 1995، يجد هناك نقاط تميز كبيرة، لعل من أهمها مجال صناعة السلام وحل النزاعات ومساعدة المنكوبين ومحاربة الإرهاب، لذلك، فقد ركزت دولة قطر على هذا المجال وعززته وتبنته كهوية أصيلة لسياستها الخارجية، وهو ما يشبه النموذج الاسكندنافي النرويجي في السياسة الخارجية.
إن النجاحات التي حققتها دولة قطر في الوساطات وحل النزاعات المستعصية وصناعة السلام ودعم الشعوب المنكوبة ومد يد المساعدة في وقت الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية ومحاربة الإرهاب، تعد من المجالات التي يُشهد فيها لدولة قطر.
إن تبني نموذج الدولة صانعة السلام في حد ذاته يوفر حماية سياسية للدولة من الداخل بطبيعة النموذج، حيث سيكون من الصعب جدا تبرير العداء وكيل الاتهامات لدولة صانعة سلام، وبالتالي يكون هذا النموذج السياسي مصدر حماية تلقائيا إضافيا للدولة، إضافة لذلك فإن دولة قطر تبنت الاستراتيجيات التالية:
1- الاستعداد لتفعيل المشاركة السياسية التي نص عليها الدستور.
2- فرز التحالفات الإقليمية والدولية المتاحة وتصنيفها بحسب أهميتها ومدى تأثيرها على الإقليم أو المنطقة وإعطاء الأولوية في العلاقات للتحالفات ذات الأهمية والثقل، وإعادة رسم خريطة التحالفات والتركيز على القرن الإفريقي وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.
3- استخدام الدبلوماسية الرياضية والفنية والإنسانية والتعليمية والثقافية والبحثية لإبراز الدور الحضاري والتنموي لدولة قطر وكسب التأييد الدولي.
4- زيادة الاتفاقيات الثنائية مع الدول المؤثرة في المجالات السياسية والدبلوماسية والإنسانية لصالح الدعم السياسي لدولة قطر.
5- تبني مبدأ الشفافية والجدية التامة في جهود محاربة الإرهاب وتمويله وفق المعايير والقوانين الدولية.
6- التواصل مع مراكز الأبحاث المهمة ومجموعات التفكير ذات الأثر، وتوضيح المواقف السياسية للدولة.
7- تعزيز العلاقات مع المنظمات الدولية والإنسانية ذات المصداقية لبناء سمعة إيجابية في العمل الدولي والإنساني وشرح دور دولة قطر كصانعة سلام.
8- تعزيز العلاقات مع منظمات حقوق الإنسان وبذل الجهود لتحسين سمعة قطر في هذا الملف.
9- تقديم العشرات من الندوات والمحاضرات والحلقات النقاشية والزيارات والاجتماعات والمؤتمرات الصحفية لبيان الحقائق وتوضيح الرواية القطرية للأزمة المفتعلة.
إن الدبلوماسية القطرية دبلوماسية نشطة وذكية واحتوائية، ولها العديد من الإنجازات المشهودة، وتركيز هذه الدبلوماسية واستثمارها في صناعة السلام وحل النزاعات والمساعدة في الكوارث والأزمات ومحاربة الإرهاب محل تقدير العديد من الدول العالمية، وستكون عامل حماية ذاتية لدولة قطر من أي عداء خارجي محتمل.
سادسا: الأمن التنموي
قد يبدو هذا المصطلح غريبا وغير مستخدم، إلا أنه في غاية الأهمية، خصوصا في الوقت الذي نعيش فيه، في ظل الكثير من التراجعات في المشاريع التنموية في دول المنطقة.
لقد أعلنت العديد من دول المنطقة خططها التنموية 2020 و2030، وغيرها من الخطط، وبدأت العمل على تحقيقها، ومنها دولة قطر التي ستعلن عن المرحلة التنفيذية الثانية 2018-2022 في طريقها لتحقيق رؤية 2030 قريبا.
وقد أعلنت دولة قطر رؤيتها 2030 بأركانها الأربعة، وتوضح هذه الرؤية أن دولة قطر لا تقارن نفسها بالدول المحيطة، ورفعت من سقف أهدافها لذلك، وتبنت- أو في طريقها لتبني- مجموعة من المبادئ الأساسية لتعظيم إمكانية تحقيق النتائج المرجوة من رؤية الدولة مثل:
1- مراجعة الخطة التنموية في ضوء المستجدات في المنطقة، وبناء رؤية تتجاوب والمعطيات الجديدة.
2- بناء خطط تنفيذية صارمة لتحقيق الرؤية مرتبطة بجداول ونتائج متفق عليها.
3- تبني نظام صارم للمتابعة والتقييم.
4- تبني نظام للمحاسبية واضح ومرتبط بالأداء والإنجاز.
5- وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، بعيدا عن المحاباة والواسطة، خصوصا في الأماكن الحيوية.
6- زيادة الاستثمار في الإنسان القطري ورفع مستوى جاهزيته وقدراته.
7- إعادة تقييم أدوات التطوير الإداري والمهني المعمول بها في الدولة، والتي لم تحقق النتائج المرجوة منها.
8- التركيز على مجالات تنموية محددة والاستثمار بها رأسيا تجنبا للتشتت وضعف النتائج.
9- تطوير منظومة التعليم العام والتعليم العالي والمنظومة الصحية بما يتناسب وطموح دولة قطر.
وهناك العديد من الأفكار والتجارب والمبادرات التي قامت بها دولة قطر لتحقيق المبادئ والمحاور المذكورة أعلاه، ويستمر العمل الدؤوب على تحقيق معادلة التنمية المطلوبة.
سابعا: الأمن الاجتماعي
يمثل القطريون أقلية في النسيج الاجتماعي في دولة قطر، وهؤلاء ينتمون لعوائل وقبائل بينها الكثير من التداخل والنسب والقرابة، ولقد أثبت الشعب القطري تماسكه وتلاحمه ودعمه لقيادته وحبه لها في هذه الأزمة، كما أظهر المقيمون أيضا دعما وتأييدا كبيرين، مما أدى لتأمين الجبهة الداخلية أثناء الحصار وتفرغ القيادة لتأمين الجبهة الخارجية.
وتسعى دولة قطر إلى الحفاظ على هذا النسيج المتماسك وحمايته من عوامل الانقسام والتشرذم، وأخطر ما يمكن أن يهدد النسيج الاجتماعي والانتماء والوطنية هو التفرقة العنصرية واللامساواة، وتصنيف المجتمع لفئات، لذلك تحرص الدولة على استثمار هذه اللحمة، وتأكيد مبادئ المساواة والعدل والشفافية بين أفراد المجتمع، حيث تبنت القيادة القطرية عدة مبادئ اجتماعية أساسية منها:
1- المساواة بين شرائح المجتمع القطري وتجنب ما يؤدي لشعور أي فئة باللامساواة والعنصرية والتمييز.
2- استثمار المشاركة الاجتماعية في المناسبات الوطنية والقومية دون تمييز.
3- تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني ودعمه لممارسة أدواره بشكل مستقل وفاعل.
4- تعزيز دور مؤسسات الدعم الاجتماعي للشرائح المجتمعية المختلفة وتقوية قدراتها.
5- تعزيز مفاهيم الوطنية والولاء والانتماء للدولة والتأكيد عليها بعيدا عن التظاهرات الإعلامية.
6- تعزيز القيم الاجتماعية القطرية الأصيلة والتأكيد عليها تعليميا وتربويا وثقافيا.
7- تعزيز مفهوم النسيج الاجتماعي الواحد في دولة قطر.
8- تعزيز مفاهيم التعايش والانفتاح على ثقافات الآخرين واحترام الغير.
9- احترام الأديان والعقائد الأخرى.
إن تبني مثل هذه القيم وغيرها كفل لدولة قطر تحقيق الأمن الاجتماعي، الذي يعتبر من العوامل الأساسية في طريق تحقيق التنمية المنشودة والرفاه المطلوب.
إن مواجهة الحصار والتعامل مع الأزمة بالمنهج الإيجابي حقق للدولة الكثير من المكاسب الآنية والبعيدة الأجل، وكما ذكرنا آنفا، فقد اختطت دولة قطر لنفسها منهجا استراتيجيا في إدارة الأزمة، يحفظ سيادتها ووجودها، ويحقق لها التنمية المستدامة وكان ذلك من خلال منهجية الاستجابة والتكيف والاستدامة. وبنت على هذه المنهجية خططا تنموية تساعدها في التعامل مع الأزمة بالشكل الذي تناولناه.
ولعل من أهم أسرار نجاح إدارة الأزمة وجود قيادة سياسية قوية وحازمة، ووجود فريق تنفيذي على قدرة عالية، وشعب ومقيمين يشعرون بالكرامة والانسجام، وقضية عادلة ضد حصار جائر..
هذه بعض الدروس المستفادة في إدارة الأزمة الخليجية والمسارات والخيارات التي تبنتها دولة قطر.

الصفحات

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below