الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  الجاسوسية بين الهجان ولورنس العرب ــ (2-2)

الجاسوسية بين الهجان ولورنس العرب ــ (2-2)

- محمد الجوادي
ما إن انتهى المسلسل حتى كانت الأخبار تعلن عن حريق في برج مبنى التليفزيون المصري وكأن إسرائيل (في تصور البعض) كانت حريصة على أن تنتقم بعمل رمزي في الوقت المناسب، بيد أن ذلك الحادث ظل حادثا عابرا فحسب إلى أن جاءت رواية إسرائيل عن أشرف مروان لتحدث زلزالا عنيفا ومدمرا وذا توابع لم تنته حتى الآن.
قبل هذا كانت للعرب تجربة مهمة بل في غاية الأهمية لأنها لعبت دورا انطباعيا شبيها بدور رأفت الهجان مع اختلاف التوجه والنتيجة، كانت هذه التجربة بمثابة تجربة العرب المبكرة مع أفلام الجاسوسية، وكانت مع فيلم لورنس العرب (1962) الذي أخرجه ديفيد لين وقدم فيه قصة الضابط الإنجليزي الشاب لورنس الذي كلف بمهمة مخابراتية خبيثة ومن طراز حساس، وقد جاءه هذا التكليف من قبل السلطات البريطانية التي ألبت وحرضت مجموعة من العرب بقيادة الشريف الحسين بن علي شريف مكة في تمردهم على دولة الخلافة العثمانية.
وقد صور فيلم لورنس العرب وأنتج باعتزاز غربي راسخ ومتعقل بما يوحي به العمل الفني من نجاح المخابرات الغربية في هذه المعركة الغادرة الطويلة النفس القائمة على استغلال وتوظيف وتضليل المخابرات البريطانية للعرب السذج استراتيجيا من أجل دفعهم للقضاء على قوتهم الذاتية المستمدة من وجود إسلامي عالمي متمثل في دولة عريقة تعدى عمرها القرون، مقابل محاولة هوائية وغير ناضجة لتحقيق رؤية قصيرة النظر كانت نهايتها تفتيت كياناتهم على النحو الذي حدث بالفعل منذ مائة عام، وأدى إلى نهاية دولة الخلافة العثمانية مع انفصال جزيرة العرب وشمالها في الهلال الخصيب عن آفاق الخلافة الإسلامية لا لمصلحة جماعة العرب الذين تعاونوا مع البريطانيين وإنما لمصلحة قوى أخرى متربصة ومتعاونة أيضا مع البريطانيين ضمن المحاولات المتعددة لتدمير هذه الدولة من أطرافها.
ومن الطريف المشهور أن هذا الفيلم نال تعاطفا عربيا من نوع خاص يتعلق بأحد عناصر فريق العمل الذي أنجزه، وذلك بسبب اشتراك الممثل المصري عمر الشريف فيه بدور الملك الشريف علي (ملك الحجاز لفترة قصيرة جدا) والذي هو أحد أبناء الشريف حسين بن علي، وشقيق كل من الملك عبدالله ملك شرق الأردن والملك فيصل الأول ملك سوريا ثم العراق (الأمير فيصل آنذاك)، وقد كان العرب فخورين بالطبع بظهور عمر الشريف أمام ممثلين عالميين من طبقة أنتوني كوين (في دور عودة أبو تايه) وبيتر أوتولو (في دور لورنس) وديفيد لين نفسه. ومن غير المشهور أن الفنان جميل راتب أيضا اشترك في تمثيل هذا الفيلم.
ومن الجدير بالذكر أن هذا الفيلم لايزال- للأسف الشديد- يمثل المصدر الأول للمعلومات التاريخية عن حال العرب في تلك الفترة وعن استعدادهم للانخداع للغرب والعمل ضد إخوانهم في الإسلام والعروبة والوطن الممتد.

الصفحات

اشترك في خدمة الواتساب
إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below