الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  حبشي رشدي .. الثورة التي لا تنتهي

حبشي رشدي .. الثورة التي لا تنتهي

حبشي رشدي .. الثورة التي  لا تنتهي

الثورة الصناعية هي ميكنة العمل اليدوي وتحويله إلى عمل آلي وصناعات منظمة تفوق في إنتاجها منتجات العمل اليدوي المثيلة، وتوهجت هذه الثورة في أوروبا في القرن التاسع عشر، وسرعان ما انتقلت إلى دول العالم التي سعت إلى تنمية صناعية تدر دخولا متزايدة وصادرات تزاحم في سوق دولي شره للجديد.
ولكن هذه الثورة لم تقتصر على عالم الصناعة، ولكنها شملت مجالات ومناشط أخرى اقتحمتها الآلات، وغيرت من مراحلها وسرعتها وكفاءتها الاختراعات والابتكارات، فمثلا مازلت احتفظ بماكينة آلة كاتبة، كنت أنوي أن أطبع عليها بعض ما أكتبه، غير أن هذه الآلات الكاتبة أصبحت في خبر كان، وانسحبت تماما من الأسواق بعد ذيوع الكمبيوتر، وفقدت وظيفتها وأهميتها، ولهذا احتفظ بها كتحفة.
كثير من الأجهزة والوزارات الحكومية في عدة مجتمعات عربية صارت تنوء بموظفيها، ذلك لأن التكنولوجيا والتقدم في الإدارة والاستخدام الجيد للتقنيات ألغى الحاجة إلى أعداد هائلة من الموظفين والموظفات، والذين بعضهم وصفوا بأنهم «موظفون فضائيون»، لكونهم مقيدين على جهات عملهم ويتقاضون رواتبهم دون أن يداوموا أو يعملوا، وتبين كذلك أن عشرات الآلاف من الموظفين يمكن أن يؤدي أعمالهم بضعة مئات منهم فقط، ولهذا سنجد الأجهزة الحكومية في دول متقدمة نحيفة التوظيف، على العكس تماما من نظيرتها في دول نامية.
ساعي البريد مثلا من الوظائف التي كانت قديما ذات أهمية، حينما كانت الرسائل الورقية والجوابات أهم وسائل التواصل بين الناس، ولهذا كان ساعي البريد موضوعا لأغنيات عاطفية عدة، أما الآن فإن التقنيات الحديثة للتواصل والتراسل اقتلعته وألغت وظيفته وغيرت من طبيعة وسرعة التراسل والتخاطب التحريري، ولهذا فإن أجهزة البريد في مجتمعات عربية التي لم تستعن بساعي البريد كانت بعيدة النظر وعلى صواب
في الهند تبينوا أن 300 ألف ساعي بريد لم يعد هناك حاجة إليهم إطلاقا، ولهذا تفتقت أفكارهم عن الاستغناء عن وظائفهم، وتحويلهم إلى وظائف أخرى حتى لا يضافوا إلى البطالة والتقاعد القسري، ومن ثم تم تحويل سعاة البريد إلى مصرفيين يمكنهم تقديم خدمات مالية للفقراء في المناطق الريفية، بعد تدريبهم وتأهيلهم وتوفير فرص العمل اللائقة بهم
وقد أغبط ذلك هؤلاء السعاة، على الأقل لأن الوظيفة الجديدة «مصرفيون» تريح أقدامهم وتوفر نعالهم، كما توفر وسائل المواصلات الخاصة والعامة التي كانوا يستعينون بها، والشمس الحارقة صيفا التي كانت تلفح وجوههم، والأمطار الغزيرة التي كانت تعرضهم لأخطار
وكلما توغلت الآلات والماكينات في جهات العمل المختلفة أحيل موظفون وموظفات إلى وظائف أخرى، لأن جهات عملهم لم تعد بحاجة إليهم، ولا يجب أن يظلوا بطالة مقنعة.
لكل ذلك فإن الثورة الصناعية هي الثورة الوحيدة التي بدأت ولن تنتهي، طالما أن العلماء والخبراء يضيفون كل يوم أفكارا وتقنيات جديدة تغير من نسق الإنتاج وحجمه.

اشترك في خدمة الواتساب
إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below