الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  الأسـئلـة

الأسـئلـة

سهام جاسم

ما مصير تلك الأسئلة التي تجول في ذهنك وتُرافقك في أغلب مراحل العمر..؟ هل كنت تجد لها تلك الأجوبة التي تجلو الغموض الذي استدعى طرحها...؟! هل مضيت باحثاً لكل علامة استفهام عن رد يُفحمها...؟ أم أنّ كل سؤال تُطمئن به حَصيلتك المعرفية بالجواب النهائي... يقودك إلى سؤال آخر أعمق ويجعلك تبحثُ.. وتستكشفُ وتتأمل.. والحياة المُزدهرة المستمرة تبثُ في نفسك تلك الدهشة التي تدفعك للرغبة بالإحاطة بكل شيء.. وتجعلك تدقق وتُمحص.. وتطرح على نفسك الأسئلة السُقراطيّة سؤالاً تلو الآخر بتتابع لا ينتهي ولا يرعوي..
إذا كنت بتلك الصفات السابقة... إذن أنت عقلٌ يقرأ الحياة جيداً ويعيش بين سطورها.. ويبحث عن معنى حقيقي لكل مفرداتها...! ولا يرثُ تلك التركة المعرفية ويُسلم بها.. دون أن يختبرَ مدى صدقها ودنوها من الحقائق...
العينُ تريدُ تفسيراً مرئياً لكل ما تراه.. والأذن ترغبُ بتحليل منطقي لمبهم تسمعه.. والنفسُ تُريدُ أن تُطفئ ثورة الشك التي لا تُخمدها الأجوبة البسيطة ولا تُسكتها..
بعض الأسئلة تقودك إلى مستويات أعلى وأدق وأكثر عُمقاً في التفكير.. وكل جواب تبحثه يُسلمك لسؤال آخر أكثر تأملاً.. ثم يقودك مُرغماً لدروب الفلسفة وجدلياتها.. وبعدها يزيدك حُباً ويقيناً بأنك بأمس الحاجة للمعرفة وكيف لا؟... وسيدني يقول: ما لا تعرفه يُشكل مجلدات ضخمة!
فما بالك إذا ما جاءتك تلك الأسئلة الفَطنة الجميلة من شاعر.. يُثيرُ بأسئلته زوبعةً في سكون الفكر ويُشعلُ فضولَ البحث عن المعرفة بأبيات يَتداخلُ فيها الإحساس المُرهف الرقيق مع دقة الفكر وعمقه السحيق..؟ فالشاعر ليس بمجنون حب أو صَريع غرام في القصائد كما يبديه أو يتصوره البعضُ أحياناً..!
الشعر قدحٌ من الفكر المُتقد.. يُضيءُ بوميضه المُباغت ظُلمةَ الغموض في غفلة منها... جدلٌ مُستَرسلٌ لا ينقطع ولا يتخلى عن عذوبته الشعرية وشفافيته بين العقل والقلب...
لذا نجدُ أنّ سقراط المحب للأسئلة قد جعلَ للشعراء مرتبةً أعلى من الفلاسفة، فالشعر يُعلم الناسَ الخيرَ والحكمة.. فأي مجد هذا الذي حَظوا به لديه.. ولا يقل شأنه لدى أرسطو فقد قال: «الشعرُ أكثرُ فلسفةً وأعلى قيمة من التاريخ».. إذن هو لدى سقراط وأرسطو سموٌ فكري معرفي يفوقُ الفلسفة»...
أما أفلاطون فقد اختلف في ذلك عنهم فقد استبعد نوعاً مُعيناً من الشعراء من جمهوريته وهم شعراء العاطفة والوجدان، وذلك لأنه يَرى أنّهم يزرعون الضعف في النفوس... وفي المُقابل رَحَبَ بشعراء الحماسة، لأنهم يعززون القوة والشجاعة في النفس... كانت تلك نظرة الفلاسفة للشعر والشعراء..
أما النُقاد القدماء والمُحدثون فوسط انبهار الشعراء بالفلسفة كانوا ما بين مُستنكر أن تتناولها القصائد وبين مُرحب.. وبين مستهجن لذلك بعض الشيء ومتقبل في الآن ذاته ولكن وفقاً لضوابط..
إلا أنّ الشعراء في كل العصور.. لم يهجروا الفلسفة في أشعارهم.. فالشعرُ ليس خطاباً للعواطف وكفى... فما جدوى تلك القصائد التي لا تُحاور العقل وتدعوه للبحث في مجاهل النفس البشرية وما حولها...؟
يقول باتريك زوسكند: «الشعراء كما هو معروف لا يكتبون عما يعرفونه حق المعرفة.. بل عما لا يعرفونه حق المعرفة، وهذا لأسباب هم أيضاً لا يعرفونها حق المعرفة، لكنهم يريدون بكل تأكيد أن يعرفوها حق المعرفة.. إنّ حالة عدم المعرفة أو حالة أنا- لا- أعرفُ- ما- يعنيه- هذا هي الحافز الأساسي، الذي دفعهم للإمساك بالقلم أو الريشة أو القيثارة.. لو كان الوضع مُغايراً، لما وَجَدت قصائد وروايات ومسرحيات، بل تصريحات وحسب»...
ووفقاً لتلك المعرفة التي يبحثها الشاعر ولتلك المرتبة التي وهبها إياه بعض الفلاسفة نُريد أنْ نتجولَ قليلاً في قصائد بعض الشعراء لنجني منها شيئاً من تلك الأسئلة التي تنم عن شيء من التأمل والفلسفة والحكمة... وتُنبئ عن تلك الاستفهامات بأغراضها المختلفة.. بين بحث عن أجوبة... وبين بث لمعانٍ وأفكارٍ أخرى...
يقول علي محمود طه الملاح التائه في قصيدته «فلسفة وخيال» مستفهماً حاثاً على التأمل في طبائع الأشياء مُعجباً بعظمة خلق الكون الدال على عظمة الخالق جلّ وعلا:
ما تكونُ الحياةُ لو أنكرَ الأحياءُ فيها طبائعُ الأشياء؟! عَجَباً! ما حقائقُ الكون إلا لمحاتُ الخيال والتفكير.
أما الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته الشهيرة الطلاسم.. فيقفُ كعادته مُتَأملاً في هذه الحياة ومُتَسائلاً حول غموضها مُتَخذاً جواباً واحداً على كل تلك الأسئلة «لستُ أدري»:
قد رأيتُ الحُسْنَ يُنْسَى مثلما تُنْسَى العيوبْ وطُلوعُ الشمس يُرجَى مثلَما يُرجَى الغروبْ ورأيْتُ الشّرَ مثْلَ الخير يَمْضي ويؤوبْ فلماذا أَحْسَبُ الشّرَ دَخيلاً؟ لســتُ أدْري!
مصيرُ أسئلة الشعراء مثل مصير أسئلتنا تماماً... فإما أن تنتهي بأجوبة.. أو تُفضي لتساؤلات أُخرى مُتَشعبة تجعلك تمضي خلفها وحيداً في دروب الحيرة...
وأخيراً...
الأسئلة تجعلك في حالة من البحث المستمر... وقد قيلَ أنّ لكل سؤال جواباً... فهل هذه حقيقة؟!
لَسْتُ أَدْري!

الصفحات

اشترك في خدمة الواتساب
إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below