الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  وجدي الأهدل .. العلاقة مع النقد

وجدي الأهدل .. العلاقة مع النقد

وجدي الأهدل .. العلاقة  مع النقد

على المبدع أن يستمع لرأي النقاد في أعماله ويحاول الاستفادة منها؛ وبالأخص إذا كان في مرحلة البدايات.
لكن حتى في مرحلة البدايات على المبدع أن يأخذ مسافة آمنة من الناقد التقليدي لحماية مشروعه الإبداعي.
وبصورة عامة الإبداع الجديد المغاير للسائد لا يلقى ترحيباً في وقته، ويحدث نوع من سوء الفهم بين هذا الإنتاج الإبداعي الأكثر جِدَّة وبين عشيرة النقاد التي تميل إلى دحض ما هو خارج عن النسق المألوف بالنسبة لهم.
سوف نلاحظ دائماً أن النقد يُراعي الذوق الأدبي والفني السائد في عصره، وهذا يعني أن عدم التوافق حتمي بين المبدع الذي عليه بالضرورة أن ينتج شيئاً مخالفاً للسائد وبين نقاد زمانه الذين لديهم نماذج محددة للأدب الرفيع.
المبدع الجيد هو من يكسر توقعات النقاد، ويضطرهم إلى تغيير أدواتهم النقدية وتجديد معاييرهم الجمالية، فالمبدع هو القائد وليس العكس، ولابد له أن يجترح هذه المأثرة الأسلوبية، ولو أدى هذا إلى عدم الاعتراف بإنتاجه الإبداعي ونبذه.
عانى واحد من أفضل المبدعين في العالم من سوء فهم أعماله طيلة حياته، ولم تنل ما تستحقه من تقدير واعتراف إلا بعد وفاته.. هذا هو حال (كافكا) الذي تمرد على مسار الإبداع في زمنه وخط لنفسه مساراً مختلفاً. وكما هو متوقع فإن هذا المسار الجديد لم يتقبله المجتمع الأدبي في بداية الأمر، واحتاج أدب كافكا إلى وقت طويل نسبياً حتى تستسيغه ذائقة النقاد وحتى القراء أيضاً.
وآمل ألا يُفهم من كلامي هذا أنه هجوم على النقاد واستخفاف بدورهم، ولكنه مجرد تنبيه للطرفين– المبدع والناقد- أن الإبداع الصادر من ينبوع إبداعي أصيل قد يبدو للوهلة الأولى غريباً وعصياً على فهرسته ضمن مدرسة كتابية معروفة.. وهي علامة جودة أن يحتار الناقد في تصنيف العمل الإبداعي والجزم بانتمائه إلى تيار أسلوبي محدد.
واحد من أفضل كُتَّاب القصة القصيرة على مر التاريخ وهو الأرجنتيني (خورخي لويس بورخيس) تحدث عن علاقته بـ(كافكا) فقال إنه تعرف على أدبه للمرة الأولى عندما وصلته قصة من قصصه فرفض أن ينشرها في المجلة الأدبية التي كان يرأس تحريرها، لكنه فيما بعد حينما قرأ أعماله الكاملة أصبح من كبار المعجبين بأدبه.
ماذا لو أنصت كافكا للنقاد وتخلى عن صوته الخاص وكتب أعمالاً تُرضي الذائقة الفنية السائدة؟ بلاشك كان يمكنه أن يفعل ذلك، ولكن الأدب ما كان ليتطور بالطريقة التي نعرفها اليوم.
نستنتج أن سوء تقدير العمل الأدبي قد يقع فيه أيّ أحد، حتى ولو كان أديباً ومثقفاً رفيع القدر.
إذن الأدب الأجد لن يجد له جمهوراً إلا بعد حين؛ باستثناء حالات نادرة محظوظة، كما حدث مع عبقري الواقعية السحرية (ماركيز) الذي نالت أعماله تقديراً عالمياً وهو ما يزال على قيد الحياة.
هذه حقيقة من حقائق الأدب: كل عمل أدبي سابق لعصره عليه أن ينتظر حتى تتغير الذائقة الأدبية أو تتطور بما يكفي لاستيعاب التجديدات التي أتى بها.
كم انتظر كتاب «ألف ليلة وليلة» حتى ينال الاعتراف والتقدير؟ لقد احتاج الأمر إلى مئات السنين حتى يدرك العالم قيمته ويمنحه العظمة التي يستحقها.

اشترك في خدمة الواتساب
إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below