الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  الرواية بين الواقع والحلم

الرواية بين الواقع والحلم

الرواية بين الواقع والحلم

عمان– الوطن– عمر أبوالهيجاء
يرى نقاد أردنيون أن الرواية في الأردن وفي البلاد العربية تحتاج من الروائيين إلى مراجعة ما يكتبون حتى تعود الرواية عنصرًا فاعلًا في تطور المجتمع العربي، مؤكدين أن الرواية في الأردن تحظى بمكانة مرموقة من بين الروايات في الوطن العربي، مشيرين إلى أن الرواية الأردنية من حيث هيكل وبناء الرواية تأرجحت بين الانغماس في الواقع والحديث من داخله، وبين الرواية الشعرية والذاتية والمتمردة والرافضة لهذا الواقع.

الناقد الدكتور محمد عبدالله القواسمة: أكد حين قال: لا شك في أن الرواية الأردنية، في الإطار العام، تتحرك ضمن الواقع المعاش سواء أكان الواقع محليًّا، أم عربيًّا، أم عالميًّا.. لأن الأدب بعامة والرواية خاصة تتصل بالواقع اتصالًا مباشرًا أو غير مباشر؛ فلا غرابة أن تحمل الرواية الأردنية الهم الاجتماعي والهم السياسي، وتغرف من التاريخ والتراث الديني وعالم التصوف.. وتتعدى من الناحية الشكلية الانسياب الزمني، وتسلسل الأحداث إلى تفتيت الزمن، وتشظي الأحداث، وتعدد الأماكن وتداخلها، إلى استخدام التكنولوجيا الرقمية في بنائها الفني.. مشيراً إلى أن ما يلفت الانتباه في الرواية الأردنية أنها في معالجتها للواقع تأثرت تأثرًا كبيرًا باهتمامات الرواية الغربية، فتناولت موضوعات بعيدة عن اهتمام الإنسان العربي في الأردن، خصوصًا ما يتصل بالمرأة، فقرأنا روايات تركز على الحرية الجنسية.. ورافق هذا الإغراق في استخدام اللغة الأجنبية والألفاظ البالوعية، أعني الألفاظ الإيروتيكية السافرة.
وأضاف قائلاً: من الظواهر التي بدت تغزو الرواية الأردنية توجهها نحو تبني الرؤية الغربية بأن الواقع العربي متخلف، والإنسان العربي لا يرجى منه الخير، لهذا فهو يستحق أن يحتل ويستعمر، من هنا وجدنا روايات تدعو إلى الخنوع والتعايش مع الأعداء تحت عناوين مضللة، مثل التسامح، والتعاون والأخوة الإنسانية.. ووجدنا روايات أردنية عربية في شكلها غربية في رؤيتها وبنائها حتى أننا لو غيرنا فيها بعض أسماء الأماكن والشخصيات لظن من يقرأها بأنها روايات أجنبية مترجمة إلى العربية.
ورأى أن واقع الرواية في الأردن وفي البلاد العربية يحتاج من الروائيين إلى مراجعة ما يكتبون حتى تعود الرواية عنصرًا فاعلًا في تطور المجتمع العربي، وتعزيز صمود الإنسان في مواجهة المشاكل التي يرزح تحت وطأتها، ولتكون عربية التوجه والرؤية والانتماء.
من جهته الناقد الدكتور زياد أبو لبن أكد أن الرواية في الأردن تحظى بمكانة مرموقة من بين الروايات العربية، وقد حازت على عدد من الجوائز العربية والعالمية، وبعضها تُرجم إلى لغات عالمية، وأظنها لا تقل أهمية عن الروايات العربية، التي أخذت صدى واسعاً، وأن هناك أسماء كثيرة من كاتبات وكتّاب الرواية الأردنية لا تخفى على القارئ العربي، بدءاً من تيسير سبول ومروراً بغالب هلسا ومؤنس الرزاز وجمال ناجي وإبراهيم نصرالله وإلياس فركوح ومحمود الريماوي وليلى الأطرش وسميحة خريس وغيرهم، مما يطول تعدادهم،
وكما رأى د. أبو لبن أن الرواية في الأردن قدمت تجارب عميقة في بعدها الإنساني، واستطاعت أن توظف تقنيات السرد الحديثة، متجاوزة الرواية التقليدية بمفهومها السائد، وكل تجربة لا بدّ أن تمر بمراحل من التجريب في الكتابة، وهؤلاء الروائيون استطاعوا أن يخرجوا من عباءة مراحل التأسيس إلى الحداثة بمفهومها الأدبي من ناحية الشكل والمضمون، وأنا لا أفصل بين الشكل والمضمون، فالعمل يفرض شكله ومضمونه في صنعة الإبداع، وتعلم أنني أحد المشتغلين في النقد الأدبي الحديث، وأحد محكمي جوائز عربية كبرى، فحكمي على تلك التجارب جاء من اشتغالاتي النقدية على الرواية.
وقال: فلا أظن أن الرواية في الأردن عاجزة أو قاصرة عن تقديم نفسها كمنجز كتابي سردي عربي، لها رؤيته ولها وعيها في بُنية المجتمع العربي على كافة الصُعد، وهناك من الروايات التي استفادت من الأجناس الأدبية الأخرى، ووظفتها في بنى سردية جديدة، وإن دلّ على شيء، فإنما يدل على وعي الكاتب أو الكاتبة في الأردن بتجارب الروائيين العرب، وأيضاً التجارب الروائية العالمية، سواء في الغرب أم في الشرق، هذا الوعي أنتج أعمالاً روائية متقدمة في طرحها، أو رؤيتها للعالم، وجائزة البوكر وجائزة كتارا وهما جائزتان في الرواية العربية خير شاهد على تلك الأصوات الروائية في الأردن، اتفقنا أو اختلفنا حولهما، عدا عن جوائز عربية أخرى، كان للرواية في الأردن منزلة من بين منزلات عربية صعدة سلّم الفوز.
الشاعر والناقد مهدي نصير بيّن أن الرواية الأردنية تتحرك في فضاء التجارب الروائية العربية وفي مناخاتها العامة، فمنذ أنت منذ اليوم لتيسير سبول حتى جنة الشهبندر لهاشم غرايبة مروراً بأعمال مؤنس الرزاز وجمال ناجي وسميحة خريس وأمجد ناصر وقاسم توفيق وزياد قاسم وجمال أبو حمدان وعدي مدانات ومحمود شقير وإلياس فركوح وغيرهم وصولاً لكفى الزعبي وجلال برجس وعبدالسلام صالح وزياد محافظة، في هذه التجارب كانت الرواية الأردنية تأخذ من الرواية العربية وتقدِّم لها في حركةٍ أصيلةٍ مبدعةٍ.
لافتاً النظر إلى أن الرواية الأردنية تقاطعت مع كلِّ المدارس في الرواية العربية المعاصرة: الرواية الواقعية التي كان مناخها الواقع المعيشي والمعاناة الطبقية والقومية والتحديات والانكسارات التي عاشها العرب في الخمسين سنة الماضية كأعمال جمال ناجي ومؤنس الرزاز وإلياس فركوح، والرواية الرمزية كبعض أعمال هاشم غرايبة وكفى الزعبي وسميحة خريس وغالب هلسا أيضاً، ثم الرواية الشعرية كأعمال إلياس فركوح وأمجد ناصر وجلال برجس وعبدالسلام صالح وغيرهم.
يؤكد نصير، أن الرواية الأردنية من حيث هيكل وبناء الرواية تأرجحت هذه الرواية بين الانغماس في الواقع والحديث من داخله أو كجزءٍ منه ومنتمٍ إليه وناقدٍ له كبعضِ أعمال سميحة خريس وجمال ناجي، وبين الرواية الشعرية والذاتية والمتمردة والرافضة لهذا الواقع والمنفصلة عنه أو الباحثة عن انفصالٍ ثقافي عنه كبعض أعمال كفى الزعبي وإلياس فركوح ومؤنس الرزاز أيضاً.
المناخات الثقافية في الرواية الأردنية هي مناخات البحث عن الخروج من هذا المأزق الوجودي للمشروع النهضوي العربي وانكساراته وانكسار الإنسان العربي وانسحاقه وتحوّله إما لكائنٍ هشٍّ ضعيفٍ مهزومٍ لا حول له أو قوة أو تحوّله لكائنٍ تكفيريٍّ بائس.
وختم قائلاً: على مستوى اللغة وتقنيات السرد قدَّمت الرواية الأردنية نماذج عاليةً للرواية العربية من حيث تقنيات تداخل زمان ومكان السرد وتنوع الرواة والتنقل بين اللغة المحكية واللغة الفصيحة واستعادة حيواتٍ وشخصياتٍ نابضةٍ بالحياة وتحمل في ثرائها مشروعاً للإنسان العربي الذي يقاوم ويواجه الانكسار.

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below