الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  عبدالسلام جادالله .. كلمات سرية

عبدالسلام جادالله .. كلمات سرية

عبدالسلام جادالله .. كلمات سرية

ضجيج الكلمات المدوي في فضاءات روحي يحاول إشغالي عن المقصود منه ومن كل هذا الضباب في عواصم التعب العربي الكبير، هناك في الداخل الإنساني العميق وفي دهاليز اختفاء الحقائق، توجد كلمات سرية لا يعرفها الناس العاديون الذين يسهرون مع الشاي والنجوم والدعوات للغائبين بالعودة، وللمرضى بالشفاء وللأحوال بالصلاح، ظانين أن هذا هو كل شيء، ولا شيء آخر وراء الأكمة، ممسكين بحبل الرضا بالقليل لعل وعسى يحصلون على الرضا الحكومي بعد رضا الحكام، لأنهم لا يعرفون الكلمات السرية التي تعجل ببلوغ المطلوب وحصول المرغوب، ومن هنا تتمادى المصائب في زياراتها المفاجئة والعاجلة لهم، بحيث يموت مريضهم ولا يعود غائبهم، ويهاجر حاضرهم على متن أحد مراكب الموت إلى أحد شواطئ الوفاة غرقاً.

المال هي إحدى الكلمات السرية التي تقف فاعلاً ودافعاً ومؤثراً، أكثر من توسلات أم فلسطينية عند بوابة احتجاز أبنائها الموتى، المال كلمة سرية تتخبأ داخل النفوس البشرية، بغض النظر عما يلبسه الجسد من ثياب، فقد تكون الثياب موحية بالزهد والتصوف، أو مشيرة للقناعة وصدق النوايا، لكن كلمة المال موجودة خلف كل رداء تقريباً، تفعل فعلها الصامت لكنه القاتل تماما كفعل السم، فهل للسم صوت؟!، فتجد الصديق يلبس جلد العدو، والأخ يبالغ في الإيذاء، والعدو يلف وجهه بلثام من الابتسامات التي تختفي وراءها كلمة السر الفاعلة، ومستمعو إذاعات الضجيج والبيانات الاحتفالية وندوات التلميع وأمسيات التشجيع، يصدقون ما يقوله حامل الميكروفون، ناسين أن الحقائق مكانها السراديب المعتمة وليس القاعات الفندقية المضاءة والمدججة بالميكروفونات.

(الأنا) كلمة سر أخرى مخفية فينا لدرجة الوضوح، لا تُقال صراحة، لكنها ظاهرة في كل حركة منا أو التفاتة أو إيماءة أو صمت، إنها الكلمة السرية التي لا تظهر أبداً في نصوص الدساتير، ولا في بنود الاتفاقيات، مع أنها الفاعلة الأولى والمحرك الأول لكل تصرف عنيف أو هادئ نقوم به، لذلك نجد الديكتاتور يلقي بكل الدساتير والقوانين والمعاهدات في نار أناه، لكي يبقى هو ولا شيء غير تلك الأنا المهيمنة، والأنا كامنة فينا جميعاً وليست حكراً على الديكتاتور، الفرق فقط هو أن الديكتاتور تمكن من الإمساك بأحد مكامن القوة والآخرون لم يتمكنوا، كل منا عندما يقوى يصبح ديكتاتوراً والاختلافات بسيطة، هذا ديكتاتور متسامح وذاك متفهم والآخر مجرم، لكن كلاً منهم في النهاية ديكتاتور تحكمه الكلمة السرية الرهيبة..الأنا.

(الخوف) كلمة سرية أخرى قابعة فينا كما تقبع أفعى بين حجارة حقل، هي التي تدفعنا إلى فعل ما لا يمكن فعله بدونها، هي الدافع الأول للكذب والسرقة والتزوير والنفاق وكل الصفات البشرية المذمومة، ومجتمعاتنا العربية تؤسس أجيالها المتعاقبة على تلك الكلمة السرية الخوف، لذلك نكذب خوفا من القيل والقال، ونذاكر الدروس التي لا نحبها خوفاً من الرسوب، ونلجأ إلى المداراة وإخفاء الحقائق خوفاً من كلام الناس ومن المستقبل، حياتنا محكومة بالخوف من المرض ومن الشرطي ومن المسؤول ومن الأهل ومن الفقر ومن الصدق ومن الغضب ومن الاعتراف ومن كل شيء، دون أن نهتم الاهتمام ذاته بالخوف من الله.

كثيرة تلك الكلمات السرية التي تسكننا وتؤثر فينا جيلاً بعد جيل، لكننا لا نستخرجها من داخلنا كي نتخلص من تأثيرها الذي يستعبدنا طوال حياتنا، ويمنعنا من فهم معنى الحرية فكيف بممارستها، تبقى فينا فاعلة فعلها بصمت، وتتركنا لاهين مع ضجيجنا حول مباراة كرة قدم، أو لاهثين وراء إشاعة تنجب إشاعة أكبر، وعيوننا مغمضة تماماً عما يسكننا من.. كلمات سرية.

إضافة تعليق

CAPTCHA image
Enter the code shown above in the box below