كتاب وأراء

الــدرس الكــوري

زعيما الكوريتين أدهشا العالم.. لقد كسرا أخطر التابوهات عندما عبرا الخط الفاصل بين الدولتين اللتين تتقاسمان شعباً واحداً في شبه الجزيرة الواقعة في أقاصي الشرق الأقصى، فكانا أول من يتخطى الحدود بين البلدين منذ حوالي 65 عاماً.. ليس هذا فقط، فقد اتفقا على إنهاء الحرب التي اندلعت بين البلدين أوائل الخمسينيات، وراح ضحيتها أكثر من مليوني شخص، فضلاً عما تفرع منها من نزاعات وتجارب صاروخية نووية وغير نووية أرخت بأثقالها على الشعب الكوري وشعوب المنطقة.
هذا العبور يمثل حدثاً تاريخياً، لا يقل في تأثيره وأهميته عن مشهد تحطيم جدار برلين قبل أكثر من ربع قرن، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وإزالة الستار الحديد الذي كان يشرذم أوروبا والعالم.. ومن شأنه أيضاً أن يعبد الطريق نحو إخلاء المنطقة من الأسلحة النووية التي شكلت كابوساً للبشرية، طوال العقود الماضية.
وبمبادرة كهذه بدا كيم جونغ أون أبرز الرابحين، فهو لم يعد ذاك الفتى الطائش المهووس بالألعاب الصاروخية والنووية أو بقتل معاونيه وأقاربه تارة بالكلاب الشاردة وبالأسلحة الفتاكة، بل أعاد تقديم نفسه كزعيم يجيد المناورة. لكن هذه الخطوة ما كانت لتنجح لو لم يتلقفها نظيره الجنوبي مون جاي-ان التواق إلى تثبيت السلام والاستقرار لتحقيق المزيد من النمو الاقتصادي الجبار الذي تشهده بلاده.
صحيح أن الصين وروسيا شجعت الجانب الشمالي على خطوته الشجاعة بإسداء النصيحة والدعم المعنوي والسياسي، وصحيح أيضاً أن الخطوة وحدها ما كانت مجدية لو لم تفتح الولايات المتحدة واليابان وكوريا الأبواب التي كانت مغلقة في وجه بيونغ يانغ من أجل تخفيف التوتر وإعادة الاستقرار في شرق آسيا، وصحيح كذلك أن هذه الخطوات تحتاج إلى خطوات أخرى كثيرة حتى تثمر سلام راسخاً ودائماً.. وستبقى نتائجها معلقة في انتظار القمة التاريخية المرتقبة بين حفيد كيم ايل سونغ والرئيس دونالد ترامب في يوليو المقبل.
لكن ما حصل في منطقة بانمونجوم الحدودية بين الكوريتين يبقى درساً في صناعة السلام وأسلوباً في كتابة تاريخ جديد مغاير لتاريخ الحروب، لعل أنظمتنا تستفيد من عبره الكثيرة، أولها أن الصراعات مهما طالت ومهما بلغت تضحياتها، لا بد لها أن تنتهي وتقفل، لذا من الأفضل تقصير أمد الأزمات بعقد تسويات لطيها قبل استفحالها والتخفيف من أضرارها والتبعات.. وعادة الشعوب ورفاهها هم من يدفع الأثمان الباهظة للصراعات، فرأفة بهم يتعين السعي إلى تقصير أعمار الصراعات بالحوار أولاً ومن ثم بتبادل التنازلات الممكنة والعادلة لتجنيب شعوبنا المزيد من الويلات واللعنات والمصائب.
النزاع في شبه الجزيرة الكورية، أشد تعقيداً وهولاً من غالبية النزاعات التي تشهدها خريطتنا العربية من المحيط إلى الخليج.. دعك من الصراع العربي الإسرائيلي الذي يتخبط بخصوصية كونية شديدة الحبكة، ودعك أيضاً من الصراع العربي الفارسي المستجد على أجزاء واسعة من خريطتنا ويأخذ أبعاداً إقليمية خطيرة، لكننا لا نزال نمسك بأيدنا مفاتيح حل نزاعتنا العربية العربية، بدءاً من نزاع الصحراء الغربية بين المغرب والجزائر وصولاً إلى النزاع القطري الخليجي.. هذه النزاعات الصغرى تغذي الصراع الكبير الدائر في منطقتنا وعليها، وتشرع أبواب التدخلات الخارجية فيه لتعميقه وتجذيره، فهل من زعيم عربي يأخذ على عاتقه عبور حدود الزعيم الآخر لفك الاشتباك وحصر النزاعات الجانبية وتحصين الساحة من أجل التفرغ للجهاد الأكبر وهو أولاً القضية الفلسطينية، وبموازاتها قضية تحرير الإنسان العربي وتأمين مستلزمات حياة كريمة له؟

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية