كتاب وأراء

المجلس الوطني الفلسطيني وانقسام اليسار

انقسم اليسار الفلسطيني بشأن المشاركة في أعمال الدورة الجديدة للمجلس الوطني الفلسطيني، وغالب الظن أن هذا الانقسام جاء على خلفية التباين بين مكونات ذلك اليسار بخصوص السياسة التحالفية لفصائل اليسار في البيت الفلسطيني الواحد وداخل منظمة التحرير الفلسطينية، وهي السياسة إلى اختُزِلت إلى فلسفة المحاصصة، حيث تتوزع الحصص الكبيرة والصغيرة على تنظيمات صغيرة وكبيرة، ويأخذ كل طرف قسطاً يساوي حجمه فيما يُعرف «بالكوتا»، وفق صفقات يستقر بها المطاف بالتمثيل في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومؤسساتها الوطنية، فكانت هذه المحاصصة في حقيقتها إلغاء للسياسة اليسارية المُعلنة لمعظم فصائل اليسار.
لقد حذف مفهوم المحاصصة الذي قاتل اليسار من أجله، الخطاب السياسي ودلالاته، ودفع باليسار إلى نفقٍ لا يؤدي إلى تطور، فقد كانت المعارضة اليسارية حاضرة في القرار السياسي وغائبة عنه، حاضرة في الشكل وغائبة في المضمون، لأنها موجودة في المحاصصة وليس في صلب القرار السياسي، ولم يكن بإمكان اليسار الديمقراطي أن يُعيد الاعتبار إلى معنى العمل الوطني السياسي الديمقراطي إلا برفض المحاصصة، غير أن تلك المعارضة احتفظت بالوضع القائم، وهو ليس غريبا عن القناعة بشكل عام.
وعليه تماهت من حينها غالبية قوى اليسار في سياستها مع منطق المحاصصة، وعلى قاعدة و(اركب حدك عالماتور)، تماهياً حوّلها إلى «ديكور يساري» فقط في إطار «ديكور ديمقراطي» لنظام سياسي فلسطيني في بنى فصائل يسارية تفتقد للديمقراطية أصلاً، وفي بنية أُتخمت بالصراعات غير المبدئية وبالتنافس غير المبدئي المُغرق في الذاتية الشخصية والتنظيمية، بالرغم مما شكّلته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من استثناء نسبي في هذا المجال، مع التجليات والتأثيرات الواضحة لشخصية الدكتور جورج حبش المثقلة بالتعفف الأخلاقي.
واليوم، يجد اليسار الفلسطيني نفسه أسير تراثه من الأدبيات ذات الطابع الإنشائي في غالبيتها، يُعيد إنتاج الثقافة والسياسة بتعابير مُتخصصة من أرشيف بالي لمستهلكي الجمل اللفظية، بثقافة وسياسة تطغى عليها تعاليم غاية في الجمود (الدوغمائية)، فتحولت الأيديولوجيا التي انتسب إليها اليسار إلى مجرد ألفاظ سطحية. عدا عن المشغالات الداخلية بين فصائل اليسار بعضها ببعض حيث المماحكات النظرية التي استنزفت اليسار في سجالات لم تستطع أن تعدو به إلى الأمام ولو بخطوات السلحفاة، فبقي بعض اليسار من التنظيمات والأشخاص في الساحة الفلسطينية في خانة الذين يصعب تصنيفهم أو تمييزهم، حيث اختاروا المنطقة الرمادية تحت عناوين محشوة بالغوغائية ولغة الديماغوجيا السياسية، والتنظيمية الداخلية، متخذين عادة النفاق السياسي كطريق، لا يعرف الضوابط.
كما بقي اليسار الفلسطيني بشكل عام وبمكوّناته الماركسية والقومية على حدّ سواء، يعيش حالة من الإحباط المهيمن الذي ترافق مع تخبط تنظيمي وفكري وعملاني على جميع الصعد، وبالرغم من أن اليسار في العالم ككل قد تخطّى حالة التقهقر التي واجهته مع انهيار حلف وارسو والاتحاد السوفياتي، واستطاع تجديد نفسه وأخذ زمام المبادرة في بلاده كما هو حال الحركة الزاباتية في المكسيك أو الحركات ذات النزعة البوليفارية في فنزويلا وبوليفيا، إلا أن هذا التجدد لم يجد صدى فعلياً له في ساحتنا الفلسطينية، بل وبقي اليسار الفلسطيني متمسكاً بمقولات مركزية ذات طابع دوغمائي.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان