كتاب وأراء

قمة الكوريتين والتفاؤل الحذر..؟

قمة الكوريتين إنجاز كبير، واستثنائي، بالرغم من الشكوك المُحيطةِ في أسباب إندفاع الشمال لترطيب الأجواء، وهو مايعني التخفيف من مستويات التفاؤل. فكل ما أعلنه الرئيس الشمالي حتى الآن لا يتعدى سوى تعليق إجراء التجارب النووية في الوقت الحاضر، فــ (بيونغ يانغ) لن تتخلى عن برنامجها وأسلحتها النووية دون مقابل، ودون صفقة نوعيٍة، وكبيرة، ومؤثرة، بل سيكون «صعباً» على (بيونغ يانغ) الإقدام على تلك الخطوة بشكلٍ مجاني، بعد أنّ تقدمت لديها، التكنولوجيا النووية وصناعة الصواريخ منذ آخر محادثات ثنائية بين الجانبين قبل أكثر من عقدٍ من الزمن.
إنَّ مبعث ماذهبنا اليه، ليس إثارة مناخاتٍ من التشاؤم، بل الواقعية، والواقعية وحدها، التي تُعيد إلى ذاكرتنا القريبة تناقضات مشاهد الحديث الودي الأخير بين الزعيمين الشمالي والجنوبي (مون + كيم) مع لقطات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية العام الماضي والتجربة النووية الأكبر التي أجراها الشمال وأدّت إلى عقوباتٍ دولية واسعة ومخاوف من نشوبِ صراعٍ جديد ومُتجدد على شبه الجزيرة الكورية.
لقد حَبَسَ العالم أنفاسه وهو يتابع اللقاء التاريخي بين الزعيمين الكوريين (مون جيه إن + كيم جونغ أون)، اللقاء الذي تم في المنطقة المنزوعة السلاح بين شطري الكوريتين في أولِ قمةِ تُعقد بينهما منذ أكثر من عقد من الزمن، فأجتاز الزعيم الشمالي خط ترسيم الحدود العسكرية ليصبح بذلك أول زعيم لكوريا الشمالية تطأ قدماه الجنوب منذ انتهاء الحرب الكورية وتقسيم شبه الجزيرة العام 1953.
وبعيداً عن الإفراط في التفاؤل، إنَّ اللقاء بين الزعيمين الكوريين، الشمالي والجنوبي، في تلك المنطقة المُحددة بين شطري البلدين، ثم التوجهِ إلى مقر قمتهما التاريخية في المنطقة المنزوعة السلاح، حركة حَمَلت دلالاتٍ رمزيةٍ، كبيرةٍ وقاطعةٍ، تتعلق بوحدة الوطن والشعب على ضفتي الكوريتين، والقناعة الراسخة بضرورة الوصول إلى حلولٍ تاريخية تُعيد وحدة الأرض الكورية ولو بعد حين، وتُسدل الستار على نتيجةٍ سابقةٍ من نتائج الحرب العالمية الثانية، وإمتداداتها في الحرب الباردة، حين وقعت الحرب الكورية الطاحنة (1950 ـــــ 1953) والتي ذهب ضحيتها قرابة خمسة ملايين مواطن كوري، وتم بنتيجتها تقسيم الأرض والشعب والوطن الواحد.
إنَّ القمة بين الكوريتين، خطوة نوعية، على طريق السلام في شبه الجزيرة الكورية، وعلى الطريق الطويل لإعادة توحيد الأرض والشعب، لكن تلك الخطوة مازالت في بداياتها المُشجعة، ومازالت تحتاج لجهدٍ كبير، وهو ماعَبَّرَ عنه الرئيس الكوري الشمالي بقوله «إننا اليوم عند خط بداية حيث يُسطِّرُ تاريخ جديد من السلام والرخاء والعلاقات بين الكوريتين».
إنَّ المستقبل يفتح أبوابه على مصراعيها أمام الكوريتين، بدلاً من قرقعة السلاح والنووي منه. فترسانة الاتحاد السوفياتي السابق النووية، والتي قادرة على تدمير العالم ثلاثين مرة، لم تَحفَظ تلك الإمبراطورية السوفياتية من السقوط، بسببٍ من الهشاشة الاقتصادية والصناعية، فيما اليابان والصين الشعبية وكوريا الجنوبية وماليزيا لم تَغزُ العالم بالسلاح النووي ولا بالصورايخ العابرة للقارات بل بالتكنولوجيا الفائقة التطور، والصناعة والاقتصاد.

بقلم : علي بدوان

علي بدوان