كتاب وأراء

هداف ليفربول .. وخاصية إحراز «الأهداف الباليستية» وليس «البلاستيكية»

محمد صلاح : هذه ليلتي ..وحلم حياتي

محمد صلاح : هذه ليلتي ..وحلم حياتي

هو ملك فرعوني !
لكنه ليس من سلالة الأسرة الثالثة، أو العاشرة، أو حتى «التمنتاشر»، أو الثلاثين التي حكمت مصر القديمة في ذلك الحين، وهو لا يتكلم «الهيروغلوفية» ولا يكتبها على «الأوراق البردية»، بل يترك رأسه تعبر عن موهبته الكروية، وقدميه عن تصويباته الصاروخية، وتمريراته الابداعية !
.. وعندما يواجه المرمى لا يقف ثابتاً في مكانه مثل تمثال «أبو الهول»، ذلك المخلوق الفرعوني الأسطوري، الذي يحمل رأس إنسان، وجسم أسد منحوت في الصخور الكلسية، ويرمز إلى عظمة الحضارة الفرعونية، في عهد «خفرع» أحد أشهر ملوك الدولة المصرية.
.. وفي داخل الملعب لا تراه «محنطاً» بلا حراك مثل «المومياوات»، التي تشهد على التاريخ المصري بأفراحه وأحزانه، وانتصاراته وانكساراته، بل تجده دائم الحركة، كثير البركة، متوهجاً في أرجاء الساحة، متحركاً على كامل امتداد المساحة.
.. وعندما يخترق دفاعات المنافسين لا يحتاج إلى ارتداء «القناع الذهبي»، الخاص بالملك الفرعوني الشاب «توت عنخ أمون»، الذي اكتشفه عالم الآثار الإنجليزي «هواردكارتر» في «وادي الملوك» عام 1922، ويعتبر من أشهر رموز الحضارة الفرعونية.
إنه «الفرعون الجديد» محمد صلاح هداف ليفربول العتيد، نجم الموسم الكروي الأوروبي الجاري، ونظيره الإنجليـــــزي الحـــــالي، الفائــــز بجائــــزة أحســــن لاعب للمـــوسم المزدوج 2017-2018، القادم من مصر، الكبيرة بأهلها وناسها، والعظيمة بمواطنيها وسكانها، والمسكونين بحبها، وأحبائها داخل وخارج أحيائها، التي كانت على الدوام «أماً ولادة»، تلد نجوماً في شتى مجالات الحياة،ولهذا استحقت لقبها الخاص «أم الدنيا» المتداول بين شعوب الدنيا.
.. ولعل أحد أولئك المبدعين الذين ولدتهم مصر، المصور الشاب محمد أبوزيد، الشهير باسم «شوكان»، الأسير خلف القضبان، الفائز بجائزة «اليونسكو» لحرية الصحافة، تقديراً لشجاعته، وقدرته على المقاومة، وسط حالة فظة من حالات الانتقام السياسي غير القانوني.
هذا المصور الشاب المعتقل في السجون المصرية، منذ الرابع عشر من أغسطس عام 2013، أثناء تأدية واجباته المهنية، بتكليف من وكالة «ديموتكس» البريطانية، نال قبل أيام الجائزة العالمية التي يستحقها، تقديراً لشجاعته في تغطية أحداث «مذبحة رابعة»، التي راح ضحيتها قرابة ألف وخمسمائة من المعتصمين السلميين.
لقد اختارت لجنة تحكيم مستقلة، تضم عدداً من المختصين، المصور المصري المحبوس احتياطياً حتـــــى الآن، منــــذ ما يــــقرب من 5 سنـــــوات، ليــــنال الجائزة الدولية، وهـــــو في محبسه، المخالف لقانون الاجراءات الجنائية، الذي يضع حداً أقصى للحبس الاحتياطي محــددا بســـنتين، لكــــــن السلطــــات المصـــــرية مازالــــت مستـــــمرة في حبــسه، على ذمة اتهامه فيما يعرف بقضية «فض اعتصام رابعة العدوية»، التي قام بتصوير أحداثها المأساوية.
.. وبعيداً عن «الجائــــزة الدوليـــــة» التي نالهـــــا، وتحمل اســـــم الصــــــحفي الكولــــومبي «غييرمو كانوا يسازا»، الذي تم اغتياله أمام مقر صحيفة «الاسبكتادور»، في العاصمة الكولومبية بوجوتا في 16 ديسمبر عام 1986، ليسمح لي المصور المحبوس أن «أستعير الكاميرا» الخاصة به، لالتقاط مجموعة من «الصور المكتوبة» لتوثيق الانجاز الكروي الكبير، الذي حققه اللاعب المصري القدير محمد صلاح، الحاصل على جائزة أحسن لاعب في الدوري الإنجليزي، بالتزامن مع جائزة «اليونسكو» التي نالها المصور المعتقل «شوكان».
.. وإليكم «الصورة الأولى»، أكتبها بالكلمات، ولا التقطــها مــــن خـــــلال «العدســــات المصـــــورة» للنجم العربي، الذي قاد فريقه «ليفربول» لاكتساح منافسه «روما» في ذهاب الدور قبل النهائي لبطولة أبطال أوروبا، بعد احرازه هدفين تاريخيين، في مباراتهم التي انتهت بخماسية إنجليزية في مرمى الضيف الإيطالي.
.. ويمكن تلخيص أحداث مباراة ليفربول وروما بأنها «ليلة محمد صلاح»، حيث كان يردد فيها على لسان «أم كلثوم»، رائعة الشاعر اللبناني جورج جرداق، وموسيقى محمد عبدالوهاب:
«هذه ليلتي وحلم حياتي.. بين ماض من الزمان وآت»
«الهوى أنت كله والأماني.. فاملأ (الكأس بالبطولة) وهات» !
.. ولم يكتف الهداف المصري بإحراز الهدفين التاريخيين بل صنع اثنين آخرين، الأول لزميله السنغالي ساديو ماني ليحرز الهدف الثالث لفريقه، بتمريرة فرعونية سحرية، لا يعرف سرها سوى سحرة «فرعون موسى» !
.. كما صنع الهدف الرابع لزميله روبرتو فيرمينو، عندما أهدى اللاعب البرازيلي كرة رائعة، بدت مثل «برتقالة مقشرة»، وضعته تماماً في مواجهة الشباك الإيطالية، ليستمتع بعدها بأكل «البرتقالة المصرية» من نوع «أبو صرة»، متلذذاً بإحراز هدفه الأول والرابع لفريقه !
.. إنه محمد صلاح القادم إلى ليفربول من «أم الدنيا»، المعروفة بتراثها الإنساني، وتراكمها البشري، حيث تشققت أيادي الفلاحين في أريافها من فلاحة الأرض، وحيث ينهض الأهالي في نجوعها لأداء أعمالهم من «الفجرية»، بينما الديك يؤذن «كوكو.. كوكو» !
.. وحيث يذهب التلاميذ إلى مدارسهم بانتظار قدوم معلمهم «رمضان مبروك أبو العلمين حمودة» !
.. وحيث يبحث الناس البسطاء «الغلابة أوي» عن لقمة عيشهم، وسط زحام الموالد، ولا أقول الموائد، ومنها «مولد السيد البدوي»، الذي يـــــــقام ســــنوياً في مـــدينة «طنطـــا» عاصــــمة محافظة الغربية، ويعتبر من أكبر المناسبات الشعبية في مصر، إن لم يكن أكبرها وأشهرها.
.. من عنق ذلك العمق البشري العميق، جاء «محمد صلاح حامد غالي طه»، قادماً من إحدى القرى الصغيرة التابعة لتلك المحافظة المصرية، حيث تستلقي قريته على مساحة 800 فدان، ويصل تعداد السكان فيها إلى نحو 15 ألف نسمة، ويسمونها «نجريج»، ويصفها بعضهم بأنها «عزبة» وليست قرية» !
.. من ذلك المكان، جاء محمد صلاح إلى نادي ليفربول الذي يشتهر بأنه فريق «الريدز»، وقبل احترافه وتألقه في أصعب الدوريات الأوروبية، لم يكن أحد خارج قرية «نجريج» التابعة لمركز «بسيون»، التابع لمحافظة الغربــــــية، يــــعرف شــــيئاً عــــــن تلك القرية الصــــغيرة، التي شهدت ولادة اللاعب المتألق، في الخــــــــامس عشر من يونــــيو عام 1992، لكن اسمـــــها صار متداولاً على مـــســـتوى العالم فــــي محـــــــرك البحــــث الإلكــــتروني «جـــــوجـــــل»، بعد فوز ابنها بجائزة أحسن لاعب في الدوري الإنجليزي.
.. ولكل هذا يحق لأهالي قرية «نجريج» أن يحتفلوا بفوز ابن قريتهم بالجائزة الكروية المرموقة، ويرقصوا على إيقاع «الطبل البلدي».
.. كما يحق لحضرة «العمدة»، وسط تلك «الزيطة والزمبليطة» أن يذبح «3» عجول و«جاموسة»، احتفالا بفوز محمد صلاح بالجائزة الإنجليزية !
.. ويحق أيضاً لجميع المصريين أن يحولوا التحية التي يتبادلونها في نهارهم من «صباح الخير» إلى «صلاح الخير» !
.. ولا غرابة في ذلك، بعدما أثبت محمد صلاح أنه خير سفير لبلاده مصر، و«لوطنه العربي الأكبر»، ولأمته الإسلامية، بل أستطيع القول إن أداءه المدهش أفضل من الأداء المرتعش لوزير الخارجية المندهش، «المبتلش»، «المرتبش»، الذي يدير ملفات الدبلوماسية المصرية !
.. وهذا الاحتفال الشعبي الحافل المتواصل بتألق محمد صلاح في مختلف الأوساط العربية يقودني لالتقاط «الصورة الثانية» بعدسة قلمي، مسترجعا تفاصيل ما جرى في قريته الصغيرة، قبل ربع قرن من الزمان، حيث لم يتوقع أحــــــد أن تخرج موهـــــبة صــــــلاح الكــــــروية من وســــط «غيطان أكواز الذرة»، ومزارع «الياسمين»، التي تشتهر بها قرية «نجريج»، المستلقية في محيط ضفة فرع «رشيد» في «الدلتا المصرية».
.. هناك حيث ينمو ويتكاثر «ورد النيل»، ويمتد على مساحات شاسعة، ليغطي سطح النهر، وسط غفلة الحكومة، ويشكل تهديداً للأمن المائي في مصر، بعيداً عن مخاطر إقامة «سد النهضة» في اثيوبيا !
.. هناك نهض محمد صلاح، وسط أسرتـــــه الكادحــــة، لتحسين ظروفه الكالحة، ومساعدة عائلته المكافحة، حيث كافح والده لتربيته مع أشقائه التربية الصالحة، دون أن يعلم أن نجله سيضع اسم قريتهم الصغيرة على خريطة العالم !
.. وتشكل قصة صلاح مع الفلاح والنجاح حكاية من الحكايات النابضة بنبض الشارع المصري، بل هي رواية مثيرة، لم يكتبها الروائي العالمي نجيب محفوظ الفائز بجائزة نوبل عام 1988.
.. وبعيداً عن السرد الروائي، فقد دخل محمد صلاح عالم المجد الكروي بأهدافه الحاسمة، التي يصل عددها إلى (31) هدفاً، أحرزها هذا الموسم في الدوري الإنجليزي، بالاضافة إلى احرازه (10) أهداف أخرى في بطولة أبطال أوروبا.
.. وبهذا التألق اللافت يبدو هداف ليفربول وكأنه يعبر زقاقاً ضيقاً من أزقة الروايات، ليس بالضرورة أن يكون «زقاق المدق»، متجها بطموحه نحو «رواق» الشهرة الواسعة، بعدما عاش ظروفا صعبة في بداية حياته.
.. وما من شك في أن ما حققه محمد صلاح من نجاحات باهرة مع فريقه الإنجلــــيزي يثــــلج صــــدور كل المصريين، بل هو مصدر فخر لكل «العروبيين» وكاتب هذه السطور أحدهم.
.. ويكفي أنه يقدم نموذجاً براقاً للرياضي العربي المسلم، الملتزم دينياً ودنيوياً، الـــصالح بأعـــماله، الفالح بأفعاله، الفاتح بأهدافه، الطامح بإنجازاته، مما أهله ليصبـــح رمزاً للنجاح العــــربي في العالم الغربي.
.. ويكفي أيضاً أن أخلاق محمد صلاح الحميدة، ومعاملته الراقية والفريدة لجمهوره دفعت أحد مشجعي «ليفربول» إلى التفكير في اعتناق الدين الإسلامي، وليس تكفير المؤمنين به، كاسراً بذلك حالة «الإسلاموفوبيا» التي سادت في الأوساط الغربية.
.. ويشبه محمد صلاح في انسيابه غرباً نحو المرمى نهر «ميرسي»، الذي يجري لمسافة 12 كم من «ستوكبورت» حتى «ليفربــــــول»، ليـــصب في البحر الإيرلندي، وكأنه خلال مسيرته الظافرة نحو إحــــراز الأهداف «مســــافر زاده الخــيــــال»، صانعــاً لمشجــــعي فريــقه الإنجليزي السحر والعطر والظلال، والحب والفن والجمال !
.. ويمكني القول، على أنغام الموسيقار «محمد عبدالوهاب» إن أداء محمد صلاح السريع أمام المرمى، وإحراز أهدافه في لمح البصر، يعكس معادلة «الفمتو ثانيـــــة»، التي اكتـــــشفها العـــالم الراحل «أحمد زويل»، الفائز بجائزة نوبل عام 1999، وتتلخص في رصد حركة الجزيئات المتحركة، بكل تفاعلاتها الكيميائية، ولا أقصد الكروية !
.. وعلى أساس هذه النظرية العلمية العالمية نجد محمد صلاح ينجح في إحراز أهدافه، خلال أقل من مليون مليار جزء من الثانية، كما فعل في مباراة روما، التي أحرز فيها هدفين في غمضة عين، مستغلاً بشكل عملي وتطبيقي نصف فرصتين، في تلك الوحدة الزمنية المتناهية الصغر، المسماة علمياً «الفمتو ثانية» !
.. وبعيداً عن هذه المعادلة الكيميائية المسجلة باسم العالم المصري العربي الراحل «أحمد زويل»، فقد أثبت محمد صلاح أيضاً، خلال أدائه الكروي المميز هذا الموسم، نظرية أخرى ليس لها علاقة بالكيمياء ولا الفيزياء، يمكنني تسميتها «البلانس في الإيكسلنس» !
.. ولو سألني أحدكم عن معنى هذه العبارة، أو مضمونها، سأقول بلا تردد إنني «لا أعرف»، لكنني سأحوله إلى صاحبها «توفيق الدقن»، الممثـــل المصري المشهور، صاحب القول المأثور «أحلى من الشرف ما فيش» !
.. ولا يختلف اثنان على أن النجم الكبير محمد صلاح يقدم أداء مشرفاً في الملاعب الأوروبية، ولهذا أصبح رمزاً من رموز الشرف في الأداء الكروي، الذي يشرف كل مواطن عربي.
.. وما من شك في أن هذا الأداء المشرف أوصل نادي «ليفربول» إلى قمة توهجه الكروي، بفــضل تألق محمد صلاح وزملائه في الفريق الإنجليزي، وأبرزهم ساديو ماني السنغالي، وروبرتو فيرمينو البرازيلي.
.. وليس جديداً القول إنه ليس سهلاً التألق في الدوري الإنجليزي، الذي يعتبر الأكثر صعوبة في الدوريات الأوروبية، أو التفوق على بقية المنافسين من نجوم الكرة العالمية، لكن محمد صلاح نجح خلال موسمه الأول مع «ليفربول» في أن يصبح «البطل الكروي» لهذا الفريق، صاحب الشعبية الجارفة، بأهدافه الخاطفة، في تلك المدينة الإنجليزية، التي أنجبت فرقة «البيتلز» الشهيرة عام 1960.
.. ولا أبالغ عندما أقول إن شعبية محمد صلاح في مدينة «ليفربول» لا تقل عن تلك الفرقة الموسيقية، حيث يواصل أهالي المدينة إظهار حبهم لهداف فريقهم، بعد نجاحه في موسمه الأول، لدرجة أنهم يتعاملون معه وكأنه العضو الخامس في فرقة «البيتلز»، بعد مؤسسيها الأربعة وهم: جون لينون، وبول مكارثي، وجورج هاريسون، ورينغو ستار.
.. وعلى إيقاع النجاح الساحق الذي حققه ألبوم هذه الفرقة الغنائية، التي اشتهرت بأداء أغاني «الروك»، ويحمل اسم (AHARD DAYS NIGHT) وتعني بالعربية «ليلة من العمل الشاق»، فـــــقـــد حقق صلاح نجاحا ساحقا في الملاعب الإنجليزية، خلال «موسم من العمل الكروي الشاق», ارتفع فيه اسمه إلى علو شاهق !
.. ويكفي أنه أثبت في مباراة ليفربول مع روما في ذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، أنه يملك خاصية إحراز الأهداف العابرة للأجواء !
.. ولعل هدفه الأول الذي أحرزه في مرمى الفريق الإيطالي، في الدقيقة الخامسة والثلاثين، يؤكد بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن «أهدافه باليستية» وليست «بلاستيكية» !
.. وهذا يقودني إلى التقاط «الصورة الثالثــــة» بكاميــرا المصـــــور المـــــصري «شــوكـــــان» المحــــبوس خلف القضبان، وهي تجسد اللحظة التي استلم فيها الهداف محمد صلاح الكرة من الناحية اليمنى، وأطلق «صاروخاً باليستيا» بيسراه نحو الزاوية البعيدة، اصطدم بالعارضة، وأصاب المرمى !
.. ومازالت الهتافات تعلو في مدينة «ليفربول» الإنجليزية، احتفالاً بالفوز الأوروبي، ومازالت الأكف تواصل التصفيق احتفاء بتألق محمد صلاح،ومازال ضجيج صاروخه غير «البلاستيكي»، الذي أحرزه في مرمى فريق «روما»، يتصاعد في ملعب «الأنفيلد»!
بقلم:احمد علي

أحمد علي