كتاب وأراء

خير بناء لخير جليس

في تاريخ الأمم مواقيت خاصة، لحظات يسجلها التاريخ، وتحفظها الأجيال، بالنظر إلى قيمة وأهمية الأحداث التي شهدتها.
وتقديري ان موعد افتتاح مكتبة قطر الوطنية، ووضع الكتاب رقم مليون وهو مخطوطة نادرة لكتاب صحيح البخاري على أحد أرففها الفخمة، من تلك اللحظات الخاصة والنادرة في تاريخ قطر. لحظات كانت مسكونة بشموخ العلم، والافتتاح على مستقبل أفضل، من خلال المعرفة، عبر بناء عملاق وصرح مهيب، تشرق الأفكار من تحت سقفه.
المكتبة بشكل عام – أي مكتبة-، كالمسجد وكل دور العبادة. هي مساحة استثنائية، ليس فقط في تصميمها المعماري الذي هو دائما متفرد ومختلف عما حوله من أبنية عبر التاريخ وفي أي مكان على الأرض، إنما وهو الأهم هي مساحة استثنائية لروح الإنسان ووجدانه، قبل عقله وافكاره.
الهواء في المكتبة مختلف، حتى لكأنك تشعر أن اجواءها خالية من الملوثات، تلك التي أضحت تحيط بالانسان، أو أن فلاتر ومنقيات إضافية، قد تزودت بها رئتك، وحالة من الصفاء والطاقة الايجابية قدر رانت على نفسك.
للمكتبة جلال ورهبة.. فعلى تلك الأرفف خلاصات تجارب إنسانية، ومداد أفكار نزفها من خطوا هذه الكتب التي تتراص على تلك الأرفف في شموخ وبهاء. وثمة بشر ومؤسسات، بذلوا من غايتهم ووسعهم من الجهد الفكري والمادي والمعنوي والمعرفي أيضا، ليجمعوا تلك الحصيلة العملاقة من الكتب، ويقيموا عليها تصنيفا وفهرسة، حتى تصل إلى من يريد المعرفة، في يسر وسهولة. ناهيك عن جهود الترقيم واستخدمات التقنيات الالكترونية، لمزيد من تقريب الكتاب لمن يريد، في أية صورة، وعلى أية وضعية. وان كان لرائحة الورق والحبر قيمتهما التي لن ينتقص منها تيسيرات «الرقمنة»، مهما بلغت.
للمسلمين والعرب مع الكتاب والمكتبة تاريخ وعلاقة وثيقين، ففي البدء كانت «اقرأ»، أمر الهي خالد إلى رسول الله الخاتم صلى الله عليه وسلم، وأمته، ان القراءة، أو بالاحرى الكتاب، هو زادهم ومنهلهم، ورافد علمهم ومعرفتهم الاساسي، ودستور منهج حياتهم، والشاهد عليهم ايضا.
واذا كان المتنبي قد قال:
أعز مكان في الدنا سرج سابح... وخير جليس في الأنام كتاب
ومن ثم فان خير مكان هو ذلك الذي يضم الكتاب بين جنباته، ليسكن خير جليس في خير بناء.
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى