كتاب وأراء

بازار الصفقات

سوريا باتت بامتياز ملعباً فرعياً لوكلاء الحروب، وفناء خلفياً لنفايات السياسة الدولية. صارت بازارا لكل صفقات المنطقة وغير المنطقة، وسوقا حرة لغنائم الحرب مثل النفط والغاز والآثار والموارد البشرية والطبيعية. حولوها أرضا خصبة لإنتاج اللاجئين والنازحين والثكالى والمشردين نحو إصقاع الدنيا.
جاءت عاصفة الغوطة وبعدها الرد الأطلسي لتضيف إلى المتاهة السورية أحجية جديدة. قالوا إن الضربة الأميركية- البريطانية- الفرنسية استهدفت البرنامج الكيميائي السوري وقواعد ومراكز بحثية مرتبطة به لوقف إنتاجها، وإنها الموجة الأولى أو الرسالة الأولى التي يفترض ألا تقتصر نتائجها على تدمير قدرة النظام في دمشق على استخدام الأسلحة المحظورة دولياً. لكن لا معنى للضربة إن لم تستثمر سياسيا. هنا حصل عكس ذلك فالضربة فعلت فعلا مضادا. الرد العسكري ضد استخدام السلاح الكيميائي قد نفذ وانتهى غرضه، وهو لم يضعف النظام ولا قواته، لا بل عزز قبضة النظام ولم يضعفها. ضربة كهذه ستثبت أقوال الأسد عن مؤامرة أميركية غربية لإطاحته خدمة لإسرائيل، وسترسخ علاقاته بروسيا وإيران، وأي عداء بين واشنطن وكل من طهران وموسكو سيصب في مصلحته.
الفعل العسكري لم يخرج عن سياق ما حدث في مطار الشعيرات العام الماضي وتاليا ذهب سدى بلا نتائج واضحة أو مرجوة لأنها لم تبدل من وقائع الأرض والميدان، فماذا إذن عن الاستثمار السياسي؟
قبل الضربة وبعدها كانت واشنطن تصوب مباشرة على موسكو وأكدت التزامها إنهاء الحرب في سوريا على أساس جنيف والقرارات الدولية. وكأنها بذلك تريد القول إن الولايات المتحدة ليست دولة ثانوية ترتضي بما يعطى لها. ولابد من قلب موازين القوى. لابد من إسقاط ورقة القوة التي تتكئ عليها روسيا لفرض مشروعها السياسي في بلاد الشام، فما تريده إدارة ترامب من وراء الضربة هو تغيير قواعد اللعبة التي أرساها الكرملين طوال السنة الماضية ويحاول تثبيته بتحالف مع تركيا وإيران صاحبتي النفوذ على الأرض. هي إذن تسعى إلى وقف مسار استانا الذي انتهجته موسكو بعيدا عن واشنطن.
وفي ظل التصويب على موسكو كان إطلاق النار الغربي مستمرا على طهران. وقد يكون هناك ثمة قناعة أميركية أن اختيار واشنطن نزع ورقة القوة من روسيا في سوريا، من شأنه أن يقنع طهران أن تحالفها مع موسكو لا يحميها، ومن الأفضل لها الابتعاد عنها، وفتح حوار مع الغرب يجنّبها معركة مقبلة معه، أو في أسوأ الأحوال فإن الضغط الكثيف على موسكو من شأنه أن يترجم ضغطا روسيا على الإيرانيين لتخفيف وجودهم في سوريا وألا يجابهوا باستنزاف عسكري غربي وإسرائيلي في سوريا يترافق مع ضغوط دبلوماسية وعقوبات اقتصادية تضعف النظام في طهران، وتخلق مناخاً أفضل للحل في سوريا، وتخفف من قبضة إيران على العراق ولبنان.
لكن حتى تأتي هكذا سياسة أكلها في إحراج موسكو وإخراج طهران من المعادلة، لابد من الصبر والديمومة ومواصلة الضغط السياسي مع الضغط العسكري، وهذا يتطلب من إدارة ترامب الانخراط بديلا من الانكفاء، فهل يتوأم ذلك، مع نية الانسحاب المبكر من سوريا، كما صرح ترامب نفسه، وهو انسحاب يقود إلى خروج أميركا نفسها من معادلة الشرق أوسطية الجديدة؟ وهل تكفي ضربة محدودة لدفع روسيا إلى القبول بتفاهمات جديدة في سوريا تتناول مستقبل هذا البلد وإحجام نفوذ القوى فيه؟ وهل تتخلى إيران عن كل مكتسباتها بمجرد انفجار صاروخ في ارض خلاء؟ أم أن كل ما نسمعه من ضجيج ودخان ماهو إلا ستارة لإخفاء صفقة كبرى تم التوافق عليها لاقتسام سوريا حصصا بدلا من تقسيمها كيانات ودويلات.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية