+ A
A -
لم يكن اتهام وزير الخارجية الأميركي الجديد، مايك بومبيو بالإسلامفوبيا، حالة عاطفية عابرة أو تغطية إعلامية مناكفة، لكنها جاءت ضمن سياق مواقفه العقائدية، التي أفصح عنها، ومنها التصريح الشهير لاتهام الدين الإسلامي كرسالة روحية بالإرهاب، وبالتالي انقلاب البيت الأبيض الأخير، على وزير الخارجية المقال تيلرسون، جاء هذه المرة، في سياق الاختيار الأيدلوجي للرئيس ترامب، من حيث قرب هذه الشخصية من العقيدة المشتركة، للرئيس ووزير خارجيته الجديد.
ولابد هنا من الإشارة، دون الدخول في التفصيل إلى فهم، مسيرة الديمقراطية الأميركية، والتي تعاود إنتاج مسارات عنف وتطرف، وتكريس للعنصريات والاستهداف الديني والعرقي، لأجل رفاهية الرجل الأبيض، وليس قيم الحقوق والحريات، التي أنتجتها الرحلة الأميركية، فضلاً عن سجل واشنطن القديم والجديد، في حروب العالم، وحروب العالم الثالث.
إن التمسك بمفهوم أن القانون الإداري، والحقوق الدستورية الأميركية، التي لا يُنكر تقدمها في بعض المسارات، هي نُصب مقدس لتزكية التجربة الأميركية، لا يمكن نقضه، وكأنها عقيدة فلسفية كلية، هو خطيئة كبرى، فالإنصاف يقتضي إعادة نقاشها، ضمن الحقوق العامة للإنسانية، ولشرائح الشعب الأميركي، وهل ساهمت في السلم للعالم والتكافل أم العكس، وهو مسار فلسفي ضروري، لكل القراءات البشرية، وتغييبه يعني تغييب العقل المطلق، وسؤال الأخلاق العالمي.
إذن أنجز ترامب قراره، وهناك تأكيد بأن الوزير الجديد، فعلا يشترك مع أبوظبي في موقفه الداعم لتصفية (الإسلام السياسي)، والحقيقة القضية ليست مرهونة بالإسلام السياسي وحده، أي الفكر والمشروع السياسي للحركات الإسلامية، التي ساهمت بعض أخطائها في تمكن أبوظبي وحلفائها الغربيين، من دحرجة المشرق العربي إلى هذا الجحيم.
لكن المفهوم يتجاوز الحركات التنظيمية وفكرها، إلى مشتركاتها مع الفكر الإسلامي والإيمانيات الكبرى، والتي تطاردها أبوظبي عبر مشاريع أخرى، يختلط في مشاريعها أحياناً، المخلص المخطئ والمأجور المأفون، مستغلة فوضى ساحة البلاغ الإسلامي، ونقص خطابه في قيم الحريات، والحقوق والعدالة الإنسانية، وهيمنة فقه الغلو على رقاب العامة، مما أحدث ردة فعل صعبة، جعلت كتلا شعبية من المشرق، تبحث عن الخلاص، من هذا التفسير الذي اعتسف الدين، وكان هذا التدين المتشدد في فترة ربيعه الأميركي، الذي دام لخمسة عقود، تحت برنامج التوظيف السياسي، لصفقة النفط الخليجي والأميركيين.
وفي هذا الملف الأميركي بالذات، هناك اختراق لصالح أبوظبي، ومأزق في ذات الوقت، أما الاختراق فهو عزل تيلرسون وفقاً لرغبتها، والذي ساهمت فيه بلا شك، أمّا الأزمة فهي أزمة صغيرة حاليا، وكبيرة مستقبلا، حين تنتهي التحقيقات إلى أن أبوظبي، كانت شريكاً فاعلاً غير شرعي، في التأثير على الانتخابات الأميركية، فهو سيقلص إمكانيات تأثيرها، مع رئاسة ترامب، لكن لن تقطعها ولن تضعفها، فواضح جداً، علاقة فكر أبوظبي بمنظومة الصهيونية المسيحية، في مضماري الثقافة والسياسة.
أما حين تنتهي فترة ترامب، فالوضع سيكون معقداً لأبوظبي أكثر من ذلك، وهذا لا يعني أن تبادر أي إدارة جديدة للبيت الأبيض، لوقف التعاون المثمر مع أبوظبي، فهناك مصالح قومية كبرى تحصدها واشنطن من ذلك، لكن حجم التدخل في السياسة الخارجية، وفي وضع الخليج العربي، من غير الوارد، أن يستمر مع توجهات أبوظبي، كما هو عهدة ترامب المضطربة والمتطرفة.
هنا نصل إلى مدخل مهم، فجزء من خلافات تيلرسون وترامب، كانت الأزمة الخليجية، لكننا أمام ثلاثة أسئلة مهمة، لفهم مستقبل البيت الأبيض، مع أزمة الخليج العربي:
1- هل مثّل الخلاف مع تيلرسون في الأزمة الخليجية، محور عزله الحالي، أم أنه كان ضمن ملفات، لا تمثل الأزمة فيها أولوية.
2-هل موقف المؤسسات الأميركية، الخارجية، والبنتاغون، والمخابرات، والذي قَبِلَ به ترامب، من حيث التعديل الاستراتيجي لإدارة الأزمة وحلها دبلوماسيا، بدلاً من التصعيد الأمني الذي تبنته أبوظبي والرياض، هو اليوم ضمن قناعات ترامب الشخصية، أم انه قابل للتراجع.
3- أما الثالث، فهو توتر الأزمة الخليجية، واستمرار تفاعله، وأين يقف في سلة اهتمامات ترامب، بما فيها الحرب الإعلامية والسياسية مع إيران، والتي عبّر فيها ترامب شخصيا، أنه يرى أن الأزمة الخليجية تعرقلها.
إن الجواب على هذه الأسئلة، هو مدخل مركزي، لفهم توجهات المستقبل للأزمة، تحت موقف البيت الأبيض، والذي يظهر، من إعادة فهم مقاصد الأسئلة، ثم الإجابة عليها واقعياً، وهو يشير إلى الآتي:
أولا: الحقيقة أن الموقف من الأزمة، وخاصة ترتيبها في جدول ترامب، لم يعد اليوم أولوية، والخلاف مع تيلرسون أوسع.
والثاني: أن تولي مايك بومبيو للخارجية، لا يتوقع أبداً أن يغيّر موقف المؤسسات، فلحظة إعطاء ترامب الإذن للاجتياح، كانت فلتة لا تتكرر، في البيت الأبيض، وإبطالها، هو إبطال تاريخ، لا يمكن إعادته في ظل التفكير القومي للأميركيين، على الأقل في هذه المرحلة، وليس لأجل ثقة مطلقة بهم.
فإذا أضفنا لذلك، أن الوزير الأميركي الجديد، هو من سيُباشر الإعداد، لقمم مارس وأبريل ثم يونيو الشاملة مع القادة الخليجيين، فالمسار المستقبلي سيتمحور حول خيارين:
1- الوصول إلى مرحلة فك الاشتباك، عبر قبول التنازلات من الطرفين، والتي لا يتوقع أن تشمل التنازل السيادي القطري، لبعض المطالب الثلاثة عشر، حيث لن تُقدّم قطر أي تنازل فيها، وبالذات بعد أن وقعت مع الأميركيين، مذكرات التفاهم الأمني الأخيرة، فبموجبها تحتج الدوحة على أي اتهامات، لتعرض تحت سياق هذه التفاهمات.
وهناك تسريبات بأن أبوظبي، تدفع لهذه التسوية، لأخذ أكبر قدر ممكن من قطر، وطي الأزمة لصالحها، بعد أن فشل السيناريو الأول، خاصة أنها اليوم في استفراد كامل للرياض، ولا يوجد منافس لها، ولا ترغب الدوحة أصلاً بعد اليوم، الاقتراب من ملف الرياض، الذي يعيش طبيعة تقلبات مختلفة، وهو أحد الأهداف المركزية التي حققتها أبوظبي بالفعل.
2- أما الثاني فهو فشل كل رحلة واشنطن القادمة، وبقاء الأزمة تحت التحييد الحالي، الذي لا يوجد سقف لتجاوزه، مهما بلغت التصعيدات الإعلامية، وخيار الدوحة، مباشرة المرحلة الانتقالية الاستراتيجية، منذ الآن، وتركها للأزمة لتخضع لنضوج أرضية لمعالجتها.
سيبقى في الختام أننا اليوم، سنرصد من جديد، اختبار موقف دول المحور، مع وساطة الشيخ صباح، وهل تٌغير أسهم أبوظبي في البيت الأبيض، إعلان دول المحور القبول من جديد بوساطته، وهو ما يظهر من بعض التصريحات.
بمعنى أن رد الاعتبار للكويت، كان فقط تكتيكاً، لتجاوز مرحلة تيلرسون، وليس إيماناً بأنه طريق للاتفاق الداخلي للخليج، وعليه تعود أسئلة التيه الجديد، لتتفاقم خسائر نكسة يونيو الخليجية، واستنزاف مصالح ومشاعر الشعوب الخليجية، بحسب بورصة أبوظبي والخزانة الأميركية.
بقلم : مهنا الحبيل
copy short url   نسخ
18/03/2018
3485