كتاب وأراء

وردي.. وعبقرية التمام

حيث كان الحدث، كانت هيئة الإذاعة البريطانية.. وحيث كانت الذكرى، كانت، ومن الذكرى تلك التي تدق في مسامع ما يطلبه المستمعون!
( البي. بي. سي)
تاريخ من الشراكة مع المستمع: اهتماماته السياسية والثقافية والفنية والرياضية والعقائدية.. وبهذه الشراكة اكتسبت تلك الإذاعة الهمامة أذن المستمع العربي من الماء إلى الماء، واكتسبت احترامه.
قبل ايام، استشعرت تلك الإذاعة ما كان يدور في ذهن المستمع السوداني تحديدا، وذكرى فجيعته في اسطورة الغناء السوداني والإفريقي.. بل والعربي- تلوح في الأفق، مفعمة بالاسى والاسف.
محمد وردي كان اسطورة. كان عارفا بقدرات صوته، وقدراته اللحنية، وقدرات أي آلة موسيقية، وإمكاناتها، وكيفية تفجير هذه الإمكانات، لتتداخل.. تلتحم، وتتحد وتتوحد وتتماهى مع امكانات صوته العجيب.
كان عارفا بكل ذلك. والاهم أنه كان فنانا يعرف ماذا يغني.. وكيف يغني.. وتلك المعرفة هي التي تجعل من بعض المغنين أساطين الغناء.
كان أسطورة. والأساطير لا تموت. لو كانت، ما كانت (البي. بي. سي) بكل حياتها وحيويتها، قد استذكرت مغنيا قد غيبه الموت.
يروح المغني المغني، حاملا إلى الشط الآخر كل عذاباته، ويبقى فنه، عصيا على الرحيل.
راح عبدالحليم، وثومة، ومايكل جاكسون. راحت أديث بياف، وغير هؤلاء من الذين شكلوا الوجدان ودوزنوا الأذن والعصب، وبقيت إبداعاتهم إرثا ومآثر، تشكل وتدوزن الأجيال، جيلا من بعد جيل.
وردي كان احدهم.
راح، وبقي إرثه.. وبقيت مآثره وأفضاله، تلك التي تجاوزت حدود وطنه السودان، شمالا وجنوبا، وإلى الشرق في كل القارة التي بينها وبين الإيقاعات الدافئة والحارة ما بينها وبين شموسها وأمطارها وسهولها وغاباتها، من عشرة.. ومن تعايش.. بل ومن توحد واتحاد وتماه حد التلاشي!
المغني المغني، روحٌ عبقرية.. ومن عبقرية وردي انه استطاع ان يجمع بفنه كل الاجيال. الحبيبة تختلف، لكن كل الاجيال- والخلفية صوت وردي- كل منها يغني على ليلاه!
غنيتُ- وتلك الخلفية العجيبة- على ليلاي ذات تاريخ، وها هو الآن ابني يغني على ليلاه، وتلك الخلفية العجيبة، هي ذاتها، بذات الرحابة.. وذات الألق، وذات الطعم، وذات التأثير العجيب!
من أين استمد وردي تلك العبقرية؟
لكل آلة وترية أو نحاسية أو إيقاعية عبقريتها.. ووردي استمد عبقريته من معرفته الحقة بعبقرية أي آلة.. واستمدها من معرفته الحقة بعبقرية صوته، بل ومن عبقرية ذلك الهواء الذي يملأ به رئتيه، ويشيله إلى فوق.. إلى صدره، ثم لا يلبث أن يتلمظه مثل حباب الكأس، وهو ينفثه صوتا عجيبا، له طعم ورائحة ونكهة وحنين، بل فيه نوع من الغواية تلك التي لا تعرفها أي من ذوات الصدر الناهد والخصر الخاتم والساقين البلقيس والعينين اللمعة والغمزة الفتانة!
وردي صادق آلاته.. وصادق صوته.. وصادق الهواء.. وصادق أنفاسه الطالعة والنازلة.. وصادق عشاق فنه، فصادقه هؤلاء حد العشق، والتفتت إليه الديا، تجر أذيال اعجابها.
البي.بي. سي. تجسيد لتلك الدنيا المعجبة بالعظماء، أصحاب الفضل، على مسيرة البشرية، إذ هي تصلي، وإذ هي تغني وتنحت وترسم وتكتب.. وإذ هي تحفر بأظفارها، تمهد الطريق إلى النور والتنوير.. إلى الكمال!
كان.. فعل ماض ناقص، كما يقول النحويون..
كان وردي.
لكن هذا الفعل- كان- يبلغ كماله في حالة هذا المغني العجيب، الذي قبل ان يرحل كان قد بلغ التمام، وهو يغنينا.. ونحن.. نستعير ما أمكننا من صوته، نغني.. ونغني!
شكرا.. أيتها( البي. بي. سي)!
بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار