كتاب وأراء

«التفضيل» والاستقطاب

من بين الجنايات التي ارتكبها العقل العربي عبر قرون، جناية يمكن تسميتها بـ «جناية أفعل التفضيل»، وهي جناية لأنها أطاحت بالمعايير الموضوعية للأحكام في معظم – ان لم يكن كل– أمور الحياة، كما أنها كانت سببا أساسيا، في الاستقطاب والانحيازات العاطفية من جهة ثانية.
ما دفعني لاثارة هذا الموضوع، سطور كتبها الاستاذ العالم الجليل الدكتور مصطفى رجب، الاستاذ بجامعة سوهاج في مصر. رأيت ان انقلها بقليل من التصرف، لظروف المساحة.
يقول د. مصطفى رجب: لا أحد يستطيع أن يحدد بالضبط بدء ولع العقل العربي باستخدام صيغة التفضيل، فكتب الأدب تروي الكثير عن أهجى بيت، وأمدح بيت، وأغزل بيت، وأفخر بيت قالته العرب!!
هذا التفكير «الأحادي «– بضم الهمزة أو بمدها (الآحادي)-، كانت له انعكاسات خطيرة على العقل العربي، فأبو حنيفة هو أعظم الفقهاء عند أنصاره بالطبع ولما كان الشافعية يرون إمامهم الشافعي هو أعظم الفقهاء وأتقاهم، كان عليهم واجب لازم: وهو الحط من مكانة أبي حنيفة، ولأن مالكاً هو أعلم الثلاثة كان لابد للمالكية من التهوين من شأن أبي حنيفة والشافعي، وهكذا صنع الحنابلة.
ومع أن كتب اللغة تؤكد أن التفضيل كصيغة اشتقاقية لا يعني إلا زيادة المفضل على المفضل عليه، دون سلب المفضل عليه الخاصية الأصلية التي هي موضوع التفاضل، إلا أن قولنا: زيد أحد بصراً من عمرو أصبح يعني في مفهومنا أن عمراً لابد له من نظارة طبية كثيفة كثافة الشعر الحداثي!!
والذي ترتب على هذا:
أولاً: انحياز المفضَّل عليه إلى نفسه، وانحياز أنصاره إليه، فنتج عن ذلك أن وجد في المجتمع العربي فريقان كبيران: الفرزدقيون والجريريون، وتحولت العقلية العربية من الأحادية إلى الثنائية..
فكثير من شعرائنا في مطلع هذا القرن كانوا مجيدين حقاً – بمقاييس عصرهم– مثل أحمد محرم ومحمد عبد المطلب وخليل مطران وعلي الجارم، ولكن الكرة الأرضية لم تكن تتسع إلا لاثنين: شوقي وحافظ. وشأن الأدب شأن الشعر، ففي الوقت الذي كانت أقلام: محمد حسين هيكل، وتوفيق دياب، وأحمد أمين، وعبد الوهاب عزام، ثم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، لم تكن الساحة تحتمل إلا المبارزين الاثنين: طه حسين والعقاد.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى