كتاب وأراء

مـن سـوتشـي سـلام عـلى الســلام

حظ السوريين في سوتشي ليس افضل من حظهم في جنيف واستانا. كلما لاح في الافق ان الحل صار قريباً يظهر «إشكال» جديد يقلب المعطيات من التفاؤل إلى الايغال في النحس والتشاؤم. لازم الفشل المؤتمر قبل انعقاده بغياب اطراف اساسية عنه ثم بمقاطعة بعض المشاركين عن جلساته. الاتفاق على العموميات مثل وحدة البلاد والحديث عن لجنة دستورية موسعة لا يحجب حقيقة تعامي المشاركين عن قضايا اساسية تتعلق بدور الامم المتحدة ومحاسبة المسؤولين السوريين عن اهراق الدم الغزير ومستقبل النظام ورحيل القوات الاجنبية عن الارض السورية.
في سوتشي واصلت الأزمة السورية تداعياتها الدرامية، التي تنتج نموذجا غير مسبوق في تاريخ الأزمات الدولية والإقليمية من حيث عدم إمكان اليقين، وعدم قدرة أي طرف على الإمساك بخيوط الأزمة. انعقد المؤتمر وسط تصعيد ميداني شرس في عفرين، أطرافه كثر وسياقاته معقدة ومثيرة. قد تنجح الحملة العسكرية التركية بهزيمة «وحدات حماية الشعب» والسيطرة على قطاع عفرين، لكنها لن تنهي الصراع التركي الكردي داخل تركيا وخارجها بل ستزيده مرارة واحتقاناً وتبقيه ناراً متقدة يزيد أوارها كلما توافرت قدرات كردية على تصعيد الصراع، ومن شأن ذلك مزيدا من التشبيك والتداخل بين القضية السورية ودول الجوار. وهكذا يتأخر الحل في سوريا لابل تتراجع حظوظه، فكيف له ان يسير نحو انضاج التسوية، والمفاوضات بين الكبار كلما تقدمت خطوة إلى الامام تراجعت خطوات إلى الوراء؟ من أين يأتي والميدان كقصة ابريق الزيت يوم لك يوم عليك؟ من أين يأتي والبوابات الإقليمية والدولية لاتزال مغلقة بعضها في وجه البعض؟ من أين يأتي والاجندات الخارجية تنوعت وتعددت في غياب واضح للقوى المحلية التي شطبت من المعادلات السياسية؟ من أين يأتي وكل تدخل خارجي مهدد بأن يصير تورطاً في مستنقع من الوحل والدماء؟
كنا في حرب واحدة معروفة الهوية والهدف لكل من افرقائها المحليين أصدقاؤهم والحلفاء، صارت الحرب حروباً، والمعارك لم تنتج إلا نسخاً متجددة في جبهات تسقط وتستعاد ثم تتبخر. لم يتعب أحد بعد. لم يختل توازن بعد. لم ينتصر أحد بعد. الأعداء وحلفاؤهم يجددون معاركهم بلا طائل. كثر اللاعبون وكثرت الانقلابات وتغيرت التحالفات، والكل مستعدون لحرب استنزاف مديدة، والكل رسموا حدود «مناطقهم» وحدود تدخلهم.
في الشمال السوري الآن «هيئة أمم غير متحدة» وموزاييك قوى وجيوش تحير المنجمين ولا أحد قادر على فك طلاسمه، فكيف باستحضار الحل؟ روسيا حضرت بلباسها العسكري والطائرات. إيران تختبر قدرات حرسها الثوري و»ألوية» أهل البيت. تركيا جاءت بقضها وقضيضها لئلا تفوتها حصة. واشنطن لم تغب عن الميدان، حضورها مرئيا وملموسا لا لبس فيه تلعب باوراق غيرها لاعاقة حل على المقاس الروسي، ولابقاء تركيا تحت مظلتها، ولقطع الطريق أمام طهران التي صنفتها عدوا اول، وكأنها بسلوكها السوري الجديد تريد لهذه الحرب ان تستمر إلى ما لا نهاية.
في الجنوب السوري حيث إسرائيل على الحدود، المسألة اكثر تعقيدا واشد حساسية لاسيما وانها ترتبط بصراع تاريخي يعاد تسخينه على نار صفقة القرن المطروحة بقوة في اروقة السياسة العالمية والشرق اوسطية.
ليس ما يجري في سوريا حربا عالمية تشارك فيها الدول الكبرى والصاعدة لاقتسام النفوذ والسيطرة على الموارد، بل صارت حربها امتحانا لمقدرات هذه الدول على التحكم والقيادة واظهار العضلات، ما يعقد التسوية التي في استمرار تعطيلها تدوم الحرب وتدوم. والقوى الدولية والإقليمية التي تقاتل من بعيد أعفت نفسها من فاتورة الالم ولائحة الخسائر والركام. وحده الشعب السوري المنكوب يدفع الثمن.
بقلم : أمين قمورية

امين قمورية