كتاب وأراء

الأميــن .. النبيــل

الأميــن .. النبيــل

سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ
وفي الليلة الظلماءِ يفتقدُ البدرُ

لا يوجد بيت شعر من قصيدة، شاع بين الناس، وتناقلوه وحفظوه عن ظهر قلب، كما شاع بيت الشعر هذا لأبي فراس الحمداني.
أما مناسبة الاستشهاد به، في هذا المقام، فهي التصريحات التي أدلى بها لـ الوطن منذ عدة أيام، سعادة السيد عبد الرحمن بن حمد العطية، الأمين العام السابق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، السياسي والدبلوماسي، والأمين العام الرابع لمجلس التعاون (2002- 2011)، الذي ترك بصمة لن تنسى، وعمل بجهد ودأب من أجل تحقيق الأهداف السامية في تعزيز التعاون والتنسيق، ووضع الخطط والبرامج المتكاملة للعمل المشترك، من أجل تمتين عرى التكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها، وتوثيق الروابط بين شعوبها، في مختلف الميادين الاقتصادية والمالية والتجارية والجمارك والمواصلات وفي الشؤون التعليمية والثقافية والاجتماعية والصحية والإعلامية والسـياحية والتشريعية والإدارية، وكانت فترة وجوده أمينا عاما واحدة من أكثر الفترات تميزا ونشاطا من أجل تحقيق الأهداف المرسومة، والمضي بدولنا الست نحو الغايات المرسومة.
كانت فترة خصبة، تميزت بالعطاء والتطلع نحو المستقبل، وكان العطية مثال «المواطن الخليجي» القادر على تمثيل جميع الأعضاء على قدم المساواة، فمضى بالمسيرة كما يُراد لها أن تكون، وحقق ما كان يتطلع إليه جميع الأعضاء، وترك أثرا طيبا سيبقى علامة فارقة في تاريخ هذا الكيان، قبل أن تهزه مؤامرة الحصار، وتعصف بأسسه، وتهوي بكل الأحلام التي علقها أبناء الخليج عليه.
وبقدر ما نفخر كقطريين بهذا السياسي والدبلوماسي المرموق، بقدر ما شاطرنا هذه المشاعر أبناء دولنا الست، فهو حمل لواء وحدتها ورقيها وتعاونها والتنسيق فيما بينها، واستطاع أن يعبر عن الجميع بأمانة وحيادية، ديدنه دفع مسيرة التعاون وتحقيق التعاون والتكامل في جميع المجالات، وصولا إلى وحدة هذه الدول، وتوثيق الروابط بين الشعوب، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين الاقتصادية، والمالية، والتجارية، والجمارك، وغيرها من الأنشطة الاقتصادية المختلفة، ودفع عملية التقدم العلمي والتقني في مجالات الاقتصاد المختلفة، كما نصت الأهداف المرسومة لهذا الكيان.
كان أمينا على هذه المسيرة، حارسا لأهدافها، قائما على نهضتها، مؤمنا بمستقبلها، لذلك جاءت محصلة فترته غنية بنتائجها، ثرية بعطاءاتها، كبيرة بأحلامها، ولم يكن ذلك غريبا عن هذا الدبلوماسي المرموق، الذي التحق بوزارة الخارجية في 1972، وتولى عدة مناصب دبلوماسية منها: قنصل عام لدى الاتحاد السويسري، وسفير ومندوب دائم لدى المقر الأوروبي للأمم المتحدة، ومندوب دائم لدى منظمة الأغذية والزراعة، وسفير فوق العادة ومفوض لدولة قطر لدى المملكة العربية السعودية، وسفير ومندوب دائما لدى منظمة المؤتمر الإسلامي، وسفير فوق العادة مفوض لدولة قطـر لدى الجمهورية العربية اليمنية، ومندوب دائما لدولة قطر لدى اليونسكو، وسفير في عدة دول هي: جمهورية جيبوتي، الجمهورية الفرنسية، الجمهورية الإيطالية، اليونان.
لست هنا في مجال الحديث عن السيرة الذاتية لهذا السياسي والدبلوماسي المتمكن، فهي معروفة للجميع، وكان أداؤه فيها غاية في الحرفية والإتقان، فحصل على مجموعة من الأوسمة الدولية، تقديرا لعطاءاته، لكن ما دفعني للكتابة هو ما بدأت به ببيت الحمداني، حيث يفتقد مجلس التعاون اليوم لرجل محنك وملتزم، يؤمن بأهداف هذا الكيان، ومستقبله ولديه القدرة من أجل الحفاظ عليه.
لم يكن العطية ليتوارى، والفوضى تضرب أركان هذا البيت، ولم يكن لينام والحرائق تستعر، ولم يكن لينسى دوره، أو يتكاسل عن النهوض به، خشية أو تملقا، وهذا هو الفارق بين الكفاءة والدراية والخبرة، وبين اللاكفاءة واللادراية واللاخبرة.
صحيح أن مؤامرة الحصار كبيرة وأهدافها دنيئة ومراميها شيطانية، لكن ذلك لا يبرر تقاعس الأمين العام عن أداء واجباته، والهروب من مسؤولياته، والإخلال بالتزاماته، بل على العكس من ذلك، كان لابد أن يتحرك، لجسر الهوة، وتقريب المسافة، وإزاحة عوامل التفرقة من أجل تكريس التلاقي ومنع التجافي.
هذه مسؤولياته، أو أن يبتعد معلنا عجزه، مفسحا أمام غيره، لكن الأمين العام الحالي لم يفعل كل ذلك، أو شيئا واحدا منه، بل اختار الانحياز إلى الصمت، قبل أن يوجه سهام انتقاداته للدولة الضحية، متجاهلا أن النية كانت مبيتة لما هو أكثر من محاولة تركيع قطر، أي إلى تغيير النظام الذي ارتضت به وتكاتفت حوله وأعلنت له الإخلاص والولاء.
أمام هذا العبث لم يتحرك الأمين الهمام، ولم يقل ما كان يتوجب عليه أن يقوله، وكأن المؤامرة تتوالى فصولا في أميركا اللاتينية وليست ضد دولة عضو في مجلس التعاون، فللأمين العام لمجلس التعاون الخليجي دور مهم، خصوصا في مثل هذه الأزمات، وليس حصر عمله في الجانب البروتوكولي فقط، إذ أن الصمت في مثل هذه الظروف وضعف الحركة من شأنهما أن ينعكسا مستقبلا على ميثاق التعاون الخليجي، وآلية اختيار الأمين العام الذي من الممكن أن يفجر أزمة أخرى بين الدول الأعضاء في الخليجي.
الأمين العام عبداللطيف الزياني، صمت طويلا، وعندما نطق رأى أن مايحدث «ليس من مسؤوليات وواجبات الأمين العام».
وزاد، وليته لم يزد، مستنكرا ما وصفها بالهجمة الإعلامية غير المسؤولة التي تقوم بها بعض وسائل الإعلام القطرية تجاهه، ووصفها بأنها «حملة ظالمة تجاوزت جميع الأعراف والقيم، لكنه لم يدل بشيء عن الأزمة وعن بدايتها بالقرصنة والفبركة، ثم الحملة الإعلامية الشرسة والمبيتة التي تبعتها بعد منتصف الليل».
لم ير في ذلك تجاوزا للأعراف والقيم، مع أن الإعلام القطري لم يتطرق إليه، ولم يتحدث عنه، إلا في إطار تجاهله لوقائع الأزمة وتداعياتها، ولم ير في تلك التداعيات اعتداء على دولة عضو في مجلس التعاون لها ما لهم وعليها ما عليهم، لذلك كله بدأت ببيت الحمداني:
وفـــي الليلــــة الظلـــــماءِ يفتــــــقدُ الـــبدرُ
لم يكن العطية ليفعل ما فعله الزياني، فالأمر جلل والحدث خطير، وهو يستدعي تحركا عاجلا ومسؤولا، وإن وجد الصد فالاستقالة أدعى.
قامت دول الحصار بقطع الطرق إلى قطر، وقطعت الأرحام، وسبل العلم عن الطلبة في الجانبين، وشتتت الأسر، وأغلقت الأجواء والممرات البحرية والموانئ، وفعلت كل ما من شأنه الإساءة لقطر، ورأينا البحرين تفرض تأشيرات دخول على مواطني قطر والمقيمين فيها، وتابعنا جميعا الحملة الإعلامية الشرسة والوقحة والدنيئة للنيل من سمعتنا التي ستبقى ناصعة بإذن الله، والتي تُوجت أخيرا بالحوار الاستراتيجي القطري- الأميركي، الذي اعترف بالدور القطري الكبير والنبيل في مكافحة الإرهاب، ومنذ يومين فقط بمنح «قطر الخيرية» العضوية الكاملة بتحالف «ستارت نت وورك» الإنساني، اعترافا بدور قطر الخيّر، والتزامها بالقيم الإنسانية النبيلة.
لم نسمع شيئا عن كل ذلك من الأمين العام الحالي، لم يتحدث عن قطع الطرق والأجواء والممرات المائية، ولا عن فرض تأشيرة، وعرقلة السفر والدراسة والعلاج، وكل ما فاضت به قريحته مجرد تصريح لا معنى له.
عبد الرحمن بن حمد العطية دبلوماسي من نوع مختلف، يُحسن قراءة الأحداث والتعاطي معها بروح المسؤولية، يملك الجرأة والرؤية معا، وهذا ما يحتاجه منصب الأمين العام لمجلس التعاون.

بقلم:عبد الرحمن القحطاني
مساعد رئيس التحرير

عبدالرحمن القحطاني