كتاب وأراء

.. والجليد يتساقط!

بالتأكيد، لايزال محفوراً في ذاكرتك، تصرف مماثل: تصرف لاتزال تحترمه بشدة، وتنحني أمامه.. ‏تصرف ربما كان سببا في تحفيزك أنت ‏شخصيا، لتتصرف ذات يوم، مثله.
كان ذلك، ذات شباب.
كنت في سراييفو، في زيارة لبضعة أيام، بعد وقت قليل، خرجت من الفندق، أمارس هوايتي العتيدة، في اكتشاف المدن القريبة، شارعا شارعا.. واكتشاف ما تحمله وجوه الناس مشيت، كثيرا.. واكتشفت، وقرأت في ملامح وحين قفلت راجعا، التبست عليّ الشوارع، إلى الفندق.
- اوه.. «بليز».. ‏لقد ضللت الطريق في مدينتكم الجميلة!
وقفا.
‏كانا اثنين: ‏شابا وشابة، ‏وكانت بينهما فيما أظن، حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة!
- اوه، ‏أهلا بك أولا، في سراييفو ابتسمت لأقول شيئا، لكن.. ارتفع صوته:
- أنت هنا في سراييفو، لن تضل أبدا! ابتسمت للجملة الذكية، قبل أن أقول:
- إذن، هيا بي – بالوصف لو أمكن – إلى فندق.. فندق (بارك)!
.. ولم يستغرق الوصف أكثر ‏من دقيقة. يمكنك أن تأخذ هذا الشارع الطويل إلى نهايته.. تدلف يميناً ثم ‏يساراً، ثم يميناً مرة أخرى، وفي نهاية الشارع، ستشتم رائحة العشاء بانتظارك في الفندق!
بعد جملته المليحة تلك، لم أكن أحمل جسدي إلى الفندق برجلي: وإنما بصوت مصاريني. ‏كان الجليد قد بدأ يتساقط، ‏فيما كنت أنا أقترب - بحسب الوصف – من رائحة العشاء.
‏فجأة، سمعت صوت أربع أقدام، (تطرقع) ورائي، في الجليد، التفت كانا هما الاثنان، يركضان، ‏وهو يمسك بوسطها، وهي.. ذراعها اليسرى تلتف – برفق – حول عنقه.
- اوه.. اهاذان أنتما أيضا.. مرة أخرى من «ألف ليلة وليلة»؟!
ابتسما.. ‏وحين حاولا ‏أن يقولا شيئا بعد وقت ‏من التقاط الأنفاس، جاءني الصوت من الصوتين، صوت واحد، لا غير!
- SORRY!
- التقطا معا، نفسا واحدا، قبل أن يجيئني في هذه المرة صوته هو:
- لقد أخطأنا في الوصف يا صديقي. نحن متأسفان حقا. كان علينا أن نقول لك إن تأخذ الاتجاه المعاكس تماما لهذا الشارع الذي أنت فيه الآن.. ها هنا لن تشتم إطلاقا رائحة العشاء!
في مثل هذه المواقف الجميلة، يضيع الكلام. لم اقل شيئا.
فقط – والجليد يتساقط، يتساقط – ادفات الاثنين الجميلين جدا، بابتسامة و.. انحنيت، لا انبس بكلمة امتنان.
يده هو في وسطها، وذراعها تلتف – برفق – حول عنقه.. ابتسما معا في وجهي، دارا معا.. وانطلقا والجليد يتساقط يتساقط!
..وحين وصلت الفندق، لم اشتم رائحة العشاء.. كانت رائحة تصرف الاثنين.. تصرفهما الجميل.. تفوح في كياني كله!
بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار