كتاب وأراء

أميركا .. فاقد الشيء لا يعطيه !

تقهقرت بصورة مريعة أوضاع الحريات وحقوق الإنسان، في العالم العربي إجمالا، وفقا لآخر تقرير صدر قبل أيام، عن مؤسسة (فريدوم هاوس) المعنية بتطورات الديمقراطية والحقوق الأساسية في العالم.
تبخرت أحلام الربيع العربي، بعد هزيمة مشروع الكرامة والحرية، ذلك المشروع الذي كانت الجماهير في العديد من الدول العربية، قد تعبأت به هتافا في الحلاقيم.
الدولة العميقة، كانت وراء هزيمة ذلك المشروع، لكن هل يرتضى طلاب الكرامة، في أي زمان ومكان، الهزيمة؟
للشعوب طاقة للتغيير لا تنضب، وتلك الطاقة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأحلام الكبرى، وليست هنالك من أحلام للشعوب، أكبر من أن تعيش في كرامة، في ظل تمكين إرادتها على الأرض.
كان الربيع العربي جولة، والحرب- كانت منذ أول حرب في الدنيا- جولات، وما تخسره اليوم يمكن أن تكسبه غدا.. وغدا دائما يوم آخر!
مؤسسية (فريدوم هاوس) أرجعت تقهقر أوضاع الحريات والحقوق في العالم العربي، إلى ما أسمته تخلى أميركا عن دورها الريادي- خاصة في عهد ترامب هذا- في نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، في العالم كله.
لا يختلف اثنان أن أميركا ترامب، تعيش الآن بعيدا عن القيم الأميركية، تلك التي مهرها الشعب الأميركي، خلال تاريخ، بالعرق والدم، لكن من كان يظن أن إرادة أميركا فوق إرادة الشعوب التي تهفو بأشواقها المجيدة إلى النور والعدالة الاجتماعية، واسترداد الحقوق، فهو دون شك أسير وهم، وواحدة من أكبر الأكاذيب في الدنيا.
إرادة الشعوب، ليست من إرادة أميركا.. إرادتها من إرادة من له الإرادة الغالبة - الرب- ذلك الذي يأمنها من خوف ويطعمها من جوع.
هنا، لم يكن الشابي- أحد أعظم ما انتجته تونس الشعب يريد إسقاط النظام- إلا صادقا تماما مع ذاته، حين أشعر قبل عشرات السنين:
إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلى.. ولابد للقيد أن ينكسر، لهتاف الشعب التونسي كله: الشعب يريد إسقاط النظام.. ولكأنما كان ينظر بعينيه الحديد إلى ذلك التونسي وهو يهتف بين جنح ليل وتباشير صبح: بن علي شرد.. بن علي شرد.. لقد هرمنا في انتظار هذه اللحظة التاريخية.. ولكأنما كان الشابي يشوف بن علي يقول: «الآن.. فهمتكم» قبل أن يخطف ما خف من ثروته، ويهرب على جناح طائرة إلى السعودية!
يومذاك، لم تكن أميركا تدري ما كان يجيش ضراوة ومصادمة في صدر الشعب التونسي.. ولم تكن بالتالي تعلم شيئا عن هبته الجسورة، والهتاف يشق أذن الدنيا: الشعب يريد إسقاط النظام.
.... وسقط النظام..
لكن ذلك لم يكن كل شيء، والهتاف المجيد يصبح هتافا عابرا لحدود تونس، إلى كل بلدان العرب التي يسومها أشباه بن علي صنوفا من الاستبداد والقهر والذل وامتهان الكرامة الإنسانية.
أشواق الشعوب، تعدى.. وعدوتها تلك هي أعظم عدوى صحية، في التاريخ.. وهكذا، تجسد الربيع العربي هتافات، وتنزلت الهتافات إرادة، وسقطت دكتاتوريات.. ولكن..
مرة أخرى: الحرب ضد الاستبداد جولات.. ولئن كسبت الشعوب جولة، ثم خسرتها، فهذا لا يعنى أنها ستخسر الجولة المقبلة، وحلاقيمها الآن تتعبأ بالهتاف المجيد، ضد دكتاتوريين مازالوا.. ودكتاتوريين جدد!
مشكلة الدكتاتوريين، أنهم لا يقرؤون التاريخ بعيون مفتوحة. مشكلتهم الأخرى أنهم بوربونيون، لا يتعلمون شيئا.. مشكلتهم الثالثة أنهم بلا ذاكرة.. وأكبر مشكلاتهم أنهم تأخذهم العزة بأثم السطوة والعنف!
لندعهم في مشكلاتهم المتداخلة والمركبة والمربكة، ونعود لأميركا: من كان يظن أنها واهبة الديمقراطية في العالم، فلينظر إلى حالها الآن في عهد ترامب، وليسائل نفسه: متى كانت الديمقراطية الحقيقية تجيء بمن هو ضد المبادئ والقيم الخيرة.. بل أكثر من ذلك: متى كانت الديمقراطية الحقيقية تجيء بمن يضع العالم كله في كف عفريت.؟!
فاقد الشيء، لا يعطيه..
هذا القول، ينطبق على أميركا.. أكبر كذبة ديمقراطية في التاريخ!
بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار