كتاب وأراء

أفكار «عالم ثالثية»

للعالم الثالث فلسفة سياسية خاصة، أو ان شئت الدقة، فقل إن للباحثين وخبراء السلطة في هذه الدرجة المتدنية من العالم، فلسفة يمكن تلخيصها، في انهم لا يقيمون وزنا للشعوب، ولا يضعونهم في حساباتهم. بل بصل الأمر إلى التهوين من شأنهم وازدرائهم.
فعلى سبيل المثال، لا يمكن ان تسمع في العالم الديمقراطي الحر، مقولة استبدادية سخيفة، كتلك التي يرددها من يدعون انهم إعلاميون وباحثون وخبراء واستراتيجيون، من ان الشعوب في العالم الثالث – منطقتنا العربية البائسة في القلب منه بالطبع - لم تنضج بعد لتكون مؤهلة للحرية والديمقراطية.
مشكلة تلك المقولة، ليست فقط في انها تفلسف، أو «تفزلك» القمع والقهر والاستبداد، وإنما هي أيضا تزيد من عمره إلى أجل غير مسمى.
فطالما ان الشعوب غير ناضجة، ومن ثم فإن الحريات وحكم المؤسسات مؤجل لحين بلوغ هذه الشعوب سن الرشد والنضج، باعتبار ان لا تاريخ ولا موعد ولا شواهد يمكن ان تغير توصيف الشعب – أي شعب – من طفل قاصر، لا يعرف مصلحته، ولا يجيد استخدام الحرية، ولا ممارسة الديمقراطية، وان الانظمة والحكومات ستظل هي بابا وماما!.
بالتأكيد لن يصدق، أصحاب مقولة «الشعوب غير ناضجة» وأنصارهم، ان الافكار التنويرية التي ظهرت في أوروبا، لم تحل دون خوض الشعوب صراعات دموية، وان التجربة ومؤسسات المجتمع المدني، هي من اسهمت في إنهاء هذه الصراعات، وزيادة الوعي الشعبي، وبالتالي خلق أجيال ديمقراطية باتت الحرية ممارسة وسلوكا طبيعيا لأفرادها.
كما لن يعبأ مروجو الاستبداد ودعاته، بتجارب دول كالهند والبرازيل، على سبيل المثال، تجتهد في بناء المؤسسات الديمقراطية، وتطلق الحريات، دون ان تقعدها قلة الوعي والنضج، عن الاستمرار في هذا المسار، وهو ما أدى إلى رفع الوعي، وتحسن الاقتصاد والأمن، وان الدول المتمترسة خلف المقولة الاستبدادية، لا وعيا رفعت، ولا اقتصادا حسنت، ولا أمنا حققت.
من أمثلة «الفزلكات» السياسية السخيفة ايضا، ان يقول – باحثون – إن شعوب العالم الثالث لا تثور إلا عندما تستريح، أي باختصار، انك لابد ان تجوّع الشعب حتى لا يثور. المدهش ان من يقولون ذلك يتجاهلون ان الفقر، كان السبب الرئيسي لكل الثورات في أي دولة من دول العالم الثالث.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى