كتاب وأراء

نتيجة لمقدمات طويلة

قد لا يكون الصندوق الزجاجي – يعني صندوق الانتخابات – هو الوسيلة المثالية لاختيار نواب الشعب وتطبيق أول مبادئ الديمقراطية، لكنه يبقى الوسيلة الأقرب إلى العدالة.. تماما كمكتب تنسيق القبول بالجامعات، فهو بتوزيعه للطلاب وفقا لدرجاتهم التي حصلوا عليها في الثانوية العامة قد يظلم أصحاب القدرات والمتميزين الذين لم يحصلوا لسبب أو لآخر على الدرجات التي تذهب بهم إلى كلية تناسب مهاراتهم، لكنه أيضا يبقى وسيلة مهمة لتحقيق العدالة ووضوح معيار الاختيار وعدم ترك الأمور للأهواء، ذلك قبل قرارات التوزيع الجغرافي التي حرمت المتفوقين من أبناء الأقاليم من كليتي الاقتصاد والعلوم السياسية، والإعلام وما تبع القرار من استثناءات مريبة ثم وهو الأهم.. أن العالم في الدول الديمقراطية التي نتمنى أن نسير في اتجاه تجاربها ونقتدي بها، لم يتوصل بعد إلى اختراع آخر يمكن من خلاله للشعب أن يختار نوابه وحكامه بإرادته الحرة.
لكن السؤال، هل العملية الانتخابية هي تصويت الناخبين؟، الإجابة قطعا بالنفي، فالتصويت هو المرحلة الأخيرة، التي يجب أن تسبقها، عدة مراحل، فهي إذن نتيجة لمقدمات طويلة. هي نتيجة لحياة سياسية سليمة، ومنظمات مجتمع مدني، تمارس نشاطها وفق قوانين واضحة وشفافة، ودون مطاردة السلطة لها، عبر الأجهزة تارة، أو الأذرع تارات أخرى، منظمات تدافع عن الحقوق والحريات، ولا تبرر القمع والانتهاكات. ثم عبر أحزاب سياسية، ذات برامج وأهداف محددة، تعمل على الأرض وسط الجماهير، لا في الاستوديوهات المكيفة عبر الفضائيات. أحزاب تسعى للمنافسة على السلطة، وليس للمنافسة على تأييدها. أحزاب تهدف من الوصول بمرشحيها إلى البرلمان، إلى تفعيل وظيفته الأساسية في التشريع والرقابة، وليس تقليص ما منحه الدستور لها من سلطات، والتنازل عنها لصالح السلطة التنفيذية.
أحزاب تستطيع أن تقيم مؤتمرات ومسيرات انتخابية، دون أن تخشى الوقوع تحت طائلة قانون التظاهر.
من الخطأ والعيب والجهالة، أن نتحدث عن التصويت في الانتخابات، حتى لو تزاحم الملايين أمام اللجان، دون أن نناقش القوانين المنظمة للانتخابات.
التصويت الانتخابي، هو لقطة النهاية، لمسلسل طويل من التهميش والتسطيح، وتغول السلطة التنفيذية، بكل أدواتها على الحياة السياسية ومقوماتها.
التصويت نتيجة لمقدمات كثيرة، ومن العيب والخطل والسذاجة، أن نناقش النتائج ونتعامى عن المقدمات التي أدت إليها.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى