كتاب وأراء

لا بد من قيادة في المنفى

إسهاب الرئيس محمود عباس أمام المجلس المركزي، في السرد التاريخي والمظلومية الفلسطينية، لتثبيت الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في ارضه، لن يغير شيئا في الواقع المأسوي في الأراضي المحتلة. سمع الفلسطينيون الكثير من هذه الدروس والمواعظ وصار في إمكان أصغر طفل في قرية نائية في الضفة ان يعطي محاضرات عن الطبيعة العدوانية للاحتلال الإسرائيلي والهدف الاستعماري من إقامة هذا الكيان في قلب العالم العربي، والوظيفة والدور المناط به.
حتى «جرأته» في فضح «تآمر» بعض العرب الذي وضع كل البيض الفلسطيني في سللهم، لن يؤشر إلى نيته الانقلاب على مواقفه السياسية ازاءهم أو الانقلاب على تحالفاته معهم. الخلاصة الوحيدة التي يمكن الخروج منها من خطابه الطويل والممل ان سلطته لا ترى خيارا بديلا عن خيار الاستمرار في التفاوض والاستعانة فقط بالمقاومة الشعبية السلمية كأداة ضغط، وانه لن يوافق على ما سمي صفقة القرن، ولن يقبل بأبوديس عاصمة للدولة الفلسطينية، كما يريد ترامب ونتانياهو ومحمد بن سلمان، وسيصر على دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. واضح أيضاً انه لن يسحب الاعتراف بإسرائيل، وتاليا لن يقول بأن اتفاق أوسلو قد سقط.
لا يلام عباس، فهو كمن يبلع الموس، لا هو قادر على ابتلاع صفقة القرن والتموضع تحت السقف السعودي المتدني، ولا هو يستطيع تبني نهج المقاومة والالتحاق بالمحور المضاد الناشئ في الإقليم. لا هو قادر على رفض الرعاية الاميركية التي لفظته ولفظت قضيته، ولا في استطاعته انتظار مرجعية افتراضية جديدة اوروبيةـ روسية ـ صينية قد لا تأتي أبدا. لاهو قادر على التخلي عن الفتات المادي البسيط الذي يأتيه من «الإخوة»، وسيظل سيف إسقاط بديل دحلاني عنه من الخارج يؤرق ليله ونهاره.
الفلسطينيون لم ولن يحصلوا من قيادتهم الحالية على اجوبة شافية على قضاياهم الكبرى، وسلطتهم القائمة لن تسعى إلى تحقيق وحدتهم المنشودة ولن تغامر بقلب الطاولة لا على الإسرائيلي ولا على الاميركي ولا على «ممولها» العربي الغارق في المهادنة والاستسلام للمشيئة الترامبية.
لا تشابه بين أبو عمار وابو مازن، لا من حيث المشروعية النضالية التاريخية، ولا من حيث الالتفاف الشعبي. الأول زاوج بين المفاوضة والمقاومة بإشعاله انتفاضة الحجارة ثم انتفاضة الاقصى حتى انقلب عليه الاميركي وسجنه الإسرائيلي في المقاطعة حتى موته الغامض فيها. الثاني يرفض المس بالمسلمات ويرفض تقديم المزيد من التنازلات التي قدمت حتى الآن من دون جدوى وخصوصا في القدس. لكنه أعلن مرارا وتكرارا انه ضد الخيار المسلح. يخشى ان يكون مصيره مثل مصير سلفه في المقاطعة.
هذه حال عباس وسلطته، لكنها ليست حال الفلسطينيين الذين لم يفقدوا بعد روح الصمود والمقاومة. ولا يمكن تجاهل ردات الفعل على قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال التي أعادت قضية فلسطين إلى مكانتها المفترضة في العوالم العربية والإسلامية والدولية، ودللت على ان الشعب الفلسطيني لن يبخل بالتضحيات في سبيل حقوقه مهما اشتدت الضغوط وتكثفت المؤامرات.
قد تدفع الضغوط عباس إلى خيار من اثنين إما الانحناء وتاليا الانجرار إلى بئر من التنازلات من دون قعر، أو العصيان وتاليا التشابه في المصير مع عرفات.
لكن أيا كان مصير عباس، الأرجح ان الحالة الفلسطينية لن تستكين لقيادات مهزومة أو مثقلة بالتزامات أمنية تقرّبها أكثر من الاحتلال، ظِلّا وركيزة. لذا فإن الخيار الافضل للفلسطينيين الفصل بين جهاز تنفيذي في الداخل لا يملك سلطة التقرير وتنحصر مهمته في تسيير أمور الناس، وبين قيادة فعلية تتخلى عن وهم السلطة وشكليات الرئاسة وتقيم في منفى آمن في الخارج لتفادي الضغوط وتجنب مصير الحصار في المقاطعة الذي حدث مع ابوعمار، ويحول دون اتخاذ أبو مازن القرار المناسب.
بقلم : أمين قمورية

امين قمورية