كتاب وأراء

مآلات انتفاضة رأس السنة في إيران

الانتفاضة الإيرانية الجديدة التي أنهت عام 2017 وافتتحت عام 2018 بتظاهرات في مدن عدة فاجأت الإيرانيين انفسهم قبل ان تفاجئ العالم؛ ذلك ان قناعة كانت تولدت لدى كثيرين من أن الهجوم الاميركي الذي يشنه الرئيس دونالد ترامب منذ وصوله إلى البيت الابيض على إيران والشعب الإيراني بسعيه إلى إلغاء الاتفاق النووي، ردم الهوة بين النظام والشعب في إيران، ومكن السلطة من ترسيخ شعبيتها في مواجهة الخطر الخارجي المتمثل بالإدارة الاميركية الجديدة وحلفائها في المنطقة الذين جعلوا من الجمهورية الإسلامية خصمهم الأول وعدوهم الاول.
تظاهرات نهاية السنة المنصرمة وبداية السنة الجديدة تختلف عن احتجاجات «الحركة الخضراء» عام 2009، التي كان طرفها الرئيسي الجناح الإصلاحي للنظام، لكن القمع الشديد والممنهج الذي تعرض له رموز هذا التيار وقياداته وقاعدته الشعبية الواسعة ومؤسساته، أفضى إلى اضمحلال هذا التيار وترك الإيرانيين بين تيارين: الأول أصولي يسيطر على مقاليد الحكم والأمن والسياسة والاقتصاد في شكل شبه تام، والثاني تيار وسطي معتدل، أقل راديكالية من التيار الاصلاحي، لديه قدرة انتخابية، الا انه لايتجاوز الخطوط الحمر للجمهورية الإسلامية والنظام الذي الذي تستند اليه واهمها ثنائية الدولة والثورة وخصوصية الحرس الثوري في قلب السلطة وعقلها.
هذه الحركة الجديدة ألبست لباس الاحتجاج المعيشي على الظروف الحياتية الخانقة لشرائح واسعة من الشعب الإيراني، لكن شعارات المحتجين سرعان ما انتقلت من الاقتصادي إلى السياسي وانتقدت المعتدلين والاصوليين معا وصولا إلى رجال الدين وراس النظام. والجديد ايضا ان هذه الاحتجاجات بامتداداتها الداخلية المعقدة تتقاطع مع ازمات دولية واقليمية عدة تقع إيران في وسطها، خصوصا ان واشنطن تغيرت ولغتها ازاء طهران تغيرت ايضا.
بيد أي سيناريو خاص باستشراف مآل التظاهرات الحالية محكوم بأمرين: الأول مدى توسع الاحتجاجات وقدرتها على الانتشار في مدى جغرافي اكبر، والثاني مدى قدرة النظام على استيعابها سلما بتوفير اصلاحات جدية تنعكس ايجابا على معيشة الإيرانيين، أو بقمعها مباشرة أو بتحريك الشارع الموالي له (وهو شارع ذي وزن) في مواجهة الشارع المحتج، علما ان بعض الإيرانيين جرّبوا الانتفاضة عام 2009، ولاقوا رد فعل عنيفاً، وفشلوا في تأمين استمراريتها. وثانياً، بعد الحروب الأهلية والأزمات الاقتصادية في العالم العربي بعد ثورات عام 2011، باتت القناعة السائدة بأن التغيير في الشارع ليس ممكناً.
وهكذا، فإن الحركة الجديدة أمام ثلاثة سيناريوات محتملة: أولها تكرار تجربة 2009 وتمكين السلطات من شراء الوقت، وثانيها تراجع حدة التظاهرات، باتباع النظام سياسة مزدوجة تقوم من جهة على تشديد القبضة الأمنية للنظام، ومن جهة اخرى على استجابة حكومة الرئيس روحاني لبعض مطالب المحتجين ذات الأبعاد المطلبية وبالتراجع عن بعض السياسات التقشفية أو زيادة الأسعار. اما الثالث فهو امتداد التظاهرات واتساعها، بما يمكنها من فرض شروط على النظام لتعديل المسار، ونكون بذلك أمام فاعل سياسي جديد على الساحة الإيرانية. وهذا الاحتمال يبقى الاضعف ذلك ان لا مؤشرات منطقية بعد على امكان إطاحة النظام أو تحدي نفوذه الشامل. أقصى ما يُمكن تحقيقه هو إضعاف روحاني وفريقه، وإحراجهما تحضيراً للانتخابات الرئاسية المقبلة، ثم المعركة الأهم بعدها: اختيار المرشد.
بقلم : أمين قمورية

امين قمورية