كتاب وأراء

عهد صفعتهم

ظواهر كثيرة أخرجها إلى العلن، وأزاح عنها ما كانت تتخفى وراءه من غبار وضجيج إعلامي، قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أبطله العالم، باعتبار القدس عاصمة لدولة الاحتلال، وعزمه نقل سفارة بلاده إليها.
وإذا كان القرار، وسيرا على قاعدة النظر إلى النصف الممتلئ من الكوب، قد كشف أنه ما زالت في العالم أصوات حرة، يمكنها أن تقول «لا»، وأن أميركا ليست قدرا مستبدا، بل يمكن رفضها ومعارضتها وحتى عزلها، فإن القرار الترامبي الكاشف، وضعنا نحن العرب أمام مرآة الحقيقة، ليظهر البعض متزنا وصادقا، والبعض ملتزما وصامدا، وآخرين من دونهم عرايا حتى من ورقة التوت.
فعندما يصف مسؤول– بكل أسف– عربي، القضية الفلسطينية، والقدس بأنها قضية جانبية، وأن إسرائيل ليست عدوة لأنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، فهذا يكشف أن ثمة انحدارا في المفاهيم، وأن خلطا وخطلا شديدا، وقصر نظر واضحا، يعانيه مفهوم الأمن القومي، عند مثل هذا المسؤول– أكرر الأسف– وعند تلك الجوقة التي راحت وبإشارات، وربما توصيات رسمية، مهدت وما زالت تعمل على تمييع قضية القدس والمسجد الأقصى في نفوس الشعوب العربية والمسلمة، حتى أصبحنا نسمع ونقرأ لأولئك الذين يتحدثون بلا خجل عن أن ثمة حقوقا لدولة الاحتلال في المدينة المقدسة.
على أية حال فإن بشاعة الصورة العارية التي كشفتها مرآة الحقيقة، لأمثال هؤلاء المسؤولين، ومن يلفون لفهم، وينفذون أوامرهم، يجب ألا تنسينا مواقف رجال من أمثال شيخ الأزهر، وبابا الأقباط، اللذين رفضا استقبال نائب الرئيس الأميركي، والأب مانويل مسلم، عضو الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة المقدسات، الذي قال «إن ما يحدث في القدس على يد إسرائيل سيمتد إلى مكة المكرمة»، وهو تحذير على «العراة» أن يستمعوا إليه بوعي، إن كانوا يمتلكون آذانا واعية. كما يجب ألا ننسى، أن الأمل كبير في جيل «عهد التميمي»، تلك المناضلة الشقراء الصغيرة، التي لم تصفع جندي الاحتلال، بل صفعت وجوه العراة، والمتخاذلين، والمترددين، والمتآمرين، وقصيري النظر، ومعدومي الضمائر.
لا أتصور أن أصحاب الصفقات المشبوهة قلقون من شيء أكثر من قلقهم من «عهد» وكل «العهود» الشابة الصامدة، المخلصة لوطنها وقدسها.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى