كتاب وأراء

واسطة الخير

من الظواهـر المتفشية التي تـقـف حائلا بين أصحاب الكفاءات والمؤهلات وتضع الشخص غـير المناسب في المكان غـير المناسب، من الصعـب إن لم يكن من المستحيل القضاء عـليها طالما بقـيت العـدالة الاجتماعـية «مغـيبة» في كل المجتمعات العـربية بلا استثناء.
لا يختلف اثنان عـلى أن الواسطة أمر غـير محمود لأنه يورث دون شك الاتكال عـلى الغـير في انجاز المعاملة مهـما كان نوعها، فـبالإضافة إلى أنها من الأمراض الاجتماعية السيئة، تؤدي إلى ظلم الآخرين وتضيع الحق عـلى صاحبه، وقـد يناله شخص آخـر لا يستحقه، وفـيها ظلم للمجتمع بشكل عام، قال بعـض العلماء: «إن الله عـز وجل ينصر الأمة الكافـرة العادلة عـلى الأمة المسلمة الظالمة» وقال بعـضهم أيضا: الدنيا تصلح بالكفـر والعـدل ولا تصلح بالإيمان والظلم.
تغـرس الواسطة في النفس عـدم احترام القانون، وتورث المشاحنات الشخصية ولا تعطي الحق لصاحبه الحقـيقي فـتضعه في المرتبة الثانية إن لم تكن الأخيرة، وقـد تصبح الواسطة فـوق القانون، فمن يحاول الحصول عـلى واسطة بدون قانون سوف يقلل إن لم يقض نهائيا عـلى أمل الآخـرين في أخـذ فـرصتهم، مع أنهم أكـثر كفاءة وتأهـيلا للقـيام أو الحصول عـلى ذلك العـمل.
لا شك أن الواسطة التي جعـلتنا لا نستطيع تدبير أمورنا بدونها تضر بالمجتمع في أي موقع من مواقع العـمل تكون، أو في أي جهة من الجهات، لأنها تضع غـير المستحقين في المكان الذي يكـون غـيرهم أحق منهم به، ولكن ليس بمقـدورهم الحصول عـليه أو الوصول إليه، لعـدم وجود واسطة لديهم، فـلو قام كل موظف أو مسؤول كل في موقعه وعـمل بأمانه فـلـن يحتاج المواطن لأي واسطة فلابد للموظف أن يتق الله وأن يراعي ضميره فـلو أدى كل موظف عمله بإخلاص فـسوف تنجز المعاملات بكل تأكـيد بسهـولة ويسر ودون مماطلة، في حـديث له صلى الله عـليه وعـلى آله وصحبه وسلم قال: «إن الله تبارك وتعالى يحب إذا عـمل أحدكم عـملا أن يتقـنه».
لقد أصبح معـروفا أنه حينما يذهـب شخص ما لمراجعة هـذه الوزارة أو تلك الإدارة أن يفكر أولا في من يعـرف هـناك لينهي له معاملـته حتى وإن كان هـذا الشخص ضد الـتعامل بالواسطة بشتى أنواعها لكنه مضطر للاستعانة بها واللجوء إلى الأصدقاء لإنجاز معاملته لثقـته بعـدم تمكـنه من تحقيق ما يريد إلا بالواسطة، فإن كان من «المسنودين» يستطيع الحصول وبكل سهوله عـلى مراده، ليس في مواقع العمل فقط بل في كل المواقع.
لم لا تكون مجتمعاتنا نظيفة من مثل هـذه الآفات الـتي تنخر في جسد المجتمع، لم لا يكون جميع المواطنين سواسية كأسنان المشط، لماذا نفـرق بين عـمرو وزيد ولم يكن هـذا التمييز موجودا في منهجـية الحقوق في الإسلام، لم لا تكون حقوق جميع المواطنين شاملة كاملة للجميع، لم لا يكون الشخص المناسب في المكان المناسب.؟!
أما إذا كانت الواسطة واسطة «خير» مثل شاب يبحث عـن عـمل ولديه مؤهلات ذلك العمل فإن من الواجـب مساعـدته حتى يتمكن من الحصول عـلـى تلك الوظيفة التي تقدم لها، وهـناك الكثير من مثل هـذه الحالات في تحتاج إلى واسطة الخير.
لا ريب أن هـذه الظاهـرة الآخذة في الانتشار في مجتمعاتنا أكثر وأكثر يوما بعـد يـوم تحتاج إلى علاج ناجع وسريع، لأن الواسطة تعـني هـضم واعـتداء على حقوق الآخرين.

بقلم : سلطان بن محمد

سلطان بن محمد