كتاب وأراء

العدالة المتأخرة في البوسنة

في يوم ماطر من عام 2001 اقتحم عناصر من الانتربول (البوليس الدولي) كانوا بالملابس المدنية منزلاً ريفياً صغيراً يقع في احدى ضواحي مدينة بلغراد عاصمة صربيا.. وهناك اعتقلوا صاحب المنزل الذي كان يمارس الطب من دون اجازة.
كان الطبيب المزوّر هو الجنرال راتكو ملاديتش الذي قاد حرب الإبادة على المسلمين في البوسنة. وهو «بطل» مجزرة سيبرينتشا التي قتل فيها آلاف الضحايا من رجال ونساء وأطفال ودفنوا على عجل في قبور جماعية.
بعد مرور 22 عاماً على اعتقاله صدر عن محكمة الجنايات الدولية حكم بإدانته. ويقضي الحكم بسجنه مدى الحياة وذلك لأن قوانين العقوبات في أوروبا لا تنص على الإعدام. وعندما علمت ابنته بحقيقة جرائمه خجلت من سجل والدها الإجرامي الذي كانت تعتقد انه طبيب فعلاً وانه يعالج الفقراء مجاناً في بيته الصغير.. فكان ردّ فعلها أنها بادرت إلى الانتحار تخلصاً من العار.. وماتت حتى قبل انتهاء محاكمة والدها الذي أُدين بارتكاب جريمة العصر.
استمر الصراع في يوغسلافيا السابقة بعد أن انقسمت على ذاتها عام 1992، حتى عام 1995. وخلال هذه السنوات الثلاث قُتل أكثر من مائة ألف وهّجر حوالي المليونين ونصف المليون وجرى اغتصاب ما يزيد على خمسين ألف امرأة.
ويؤكد علماء التاريخ الأوروبي أن تلك المجزرة التي استهدفت المسلمين في البوسنة هي الأسوأ في التاريخ الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية.
ولكن رغم وحشية هذه الجرائم الجماعية، لم تحرك الدول الأوروبية ساكناً.. فتواصلت المجازر حتى قررت الولايات المتحدة – برئاسة الرئيس بيل كلنتون- التدخل عسكرياً (تحت مظلة حلف الأطلسي)، وسياسياً.
كان التدخل العسكري تهديدياً.. إلا انه نجح في تصوير مواقع القبور الجماعية التي حاولت القوات الصربية إخفاء معالمها بإعادة زرع أشجار في مواقعها.
أما التدخل السياسي فنجح في حمل الرئيس الصربي ميلاوسوفياتش على القبول بالتسوية التي تُعرف اليوم باسم المدينة الأميركية التي جرت في قاعدتها العسكرية الجوية مباحثات التسوية، وهي مدينة دايتون.
لقد أوقفت تسوية دايتون عمليات القتل الجماعي. ولكن ماذا عن القتَلة؟ وماذا عن عائلات المقتولين؟
في عام 1993 تشكلت محكمة الجنايات الدولية في لاهاي. ومنذ تشكيلها حتى اليوم أدانت المحكمة أكثر من 160 شخصاً. أكثريتهم الساحقة من الصرب وكان آخرهم الجنرال ملاديتش. إلا أن بعضهم كان من الكروات. ولم يتهم من المسلمين سوى شخصين فقط.
وخلال هذه المحاكمات استجوبت المحكمة خمسة آلاف شاهد من مسيحيين ويهود ومسلمين. وجمعت وثائق رسمية، لعل أهمها الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية لمجازر القتل الجماعي ولمواقع القبول الجماعية. لقد كانت مجزرة سيبرينتشا الأفظع والأشد وحشية والتي نفذت بأوامر مباشرة من الجنرال ملاديتش وتحت نظره. وقد ذكر عدد من الشهود انه شارك شخصياً في عمليات الاغتصاب والقتل. الأمر الذي يعيد إلى الأذهان مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا بحق الفلسطينيين التي نفذت بتوجيه ومشاركة الجنرال الإسرائيلي آريال شارون.
لم يكن ملاديتش المسؤول الوحيد عن تلك المجزرة – المأساة. كان واحداً من ثلاثة. أما المسؤولان الآخران فهما الجنرال رادوفان كاراديتش (قائد القوات الصربية) وسلوبودان ميلوسوفتيش الرئيس الصربي. وقد سبق أن أدينا أمام محكمة الجنايات الدولية وماتا في السجن. وهو المصير ذاته الذي ينتظره ملاديتش.
صحيح أن العدالة أخذت مجراها ولو بعد مرور أكثر من 22 عاماً على ارتكاب الجريمة، ولكن ماذا تنفع عقوبة السجن المؤبد بالنسبة لمئات الآلاف من عائلات الضحايا؟
صحيح أن كبار المسؤولين عن الجرائم اعتقلوا وحوكموا وعوقبوا ولكن ماذا عن الجنود الذين نفذوا تعليمات القيادة بالقتل؟.. وبالاغتصاب وبإحراق البيوت والمساجد؟ ماذا عن أولئك الذين حفروا المقابر الجماعية؟. وطمروا فيها جثث الأطفال بعد اغتصابهم أمام ذويهم الذي أُعدموا من بعدهم؟.
بعد الحرب العالمية الثانية جرت محاكمة القيادات النازية في نورمبرغ وحكم على 12 شخصية عسكرية منهم بالإعدام. ونفذت الأحكام بالفعل. ومن يومها لم تقم للنازية قائمة. كذلك جرت مطاردة العناصر النازية التي تسللت إلى دول أخرى في العالم ووجدت مآوي لها حتى أميركا الجنوبية.. فجرت تصفية بعضهم واعتقال بعضهم الآخر ومحاكمته.. وإعدامه، ولم تشفع لأي منهم شيخوخة أو حالة مرضية.
ولكن رغم كل ذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل يدفع مرتكبو المجازر الجماعية في افريقيا (الكونغو ورواندا) وفي آسيا (ماينمار) والشرق الأوسط (داعش) ثمن جرائمهم؟.


بقلم : محمد السماك

محمد السماك