كتاب وأراء

قنابل أحمد شفيق السياسية

أسباب مغادرة أحمد شفيق لمصر واختياره دولة الإمارات بالذات للإقامة فيها منذ عام 2012 ليست معروفة على وجه الدقة.. الأمر المؤكد أنه كان مقتنعاً بأنه الفائز الحقيقي في الانتخابات الرئاسية التي جرت هذا العام، وأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي أشرف على هذه الانتخابات لم يأخذ اتهاماته لجماعة الإخوان بتزويرها على محمل الجد. أما اختياره لدولة الإمارات فيسهل تفسيره بحجم ما تكنه هذه الدولة من كراهية لجماعة الإخوان وربما أيضاً باحتمال ارتباطه بصداقات قوية مع شخصيات قريبة من دوائر صنع القرار فيها، بدليل تعيينه مستشاراً لرئيس الدولة عقب وصوله بأيام.
معنى ذلك أن الرجل كان مرحباً به تماماً في دولة الإمارات التي تردد أنها سعت لاستخدامه كورقة ضغط على نظام الإخوان طوال فترة حكم مرسي التي لم تطل لأكثر من عام، غير أن الوضع تغير جذرياً بعد 30 يونيو 2013.
فعقب إعلان «خريطة الطريق» في 3 يوليو من نفس العام، أصبح لمصر رئيس مؤقت رغم إدراك الجميع أن الحاكم الفعلي هو عبدالفتاح السيسي وراحت البلاد تستعد لانتخابات برلمانية ورئاسية جديدة.. وقتها تواترت أنباء عن نية أحمد شفيق ترشيح نفسه في انتخابات الرئاسة عام 2014، لكنه سرعان ما عدل عن هذه الفكرة، دون اقتناع على ما يبدو، عقب تدخل وسطاء مقربين وغير مقربين، حاولوا إقناعه بأهمية المحافظة على صورة المؤسسة العسكرية كقوة موحدة تقف وراء السيسي.. وأياً كان الأمر، فقد بدا غير سعيد بما يجري انطلاقاً من قناعته الشخصية بأنه الرجل الأنسب لقيادة مصر في تلك المرحلة، وراح، في هذا السياق، يتابع تطورات الأوضاع في مصر، لكن علاقته بالسيسي كان قد أصابها شرخ واضح.
رغم عمق العلاقة التي ربطت دولة الإمارات بنظام السيسي، لم يسبب وجود أحمد شفيق في دولة الإمارات قلقاً أو إزعاجاً لأحد في البداية، بل وبدا أمراً مرغوباً فيه من جانب كل الأطراف.. فقد ضمن السيسي أن تصبح تحركات شفيق تحت سيطرة ورقابة دولة صديقة وموثوق بها، وأمسكت دولة الإمارات سعيدة بورقة ثمينة قابلة للاستخدام في الوقت المناسب، وشعر أحمد شفيق بالأمان مغموساً بكرم الضيافة.. وعلى الرغم من أنه كان يدلي بتصريحات بين الحين والآخر تشير إلى احتمال ترشحه في انتخابات 2018، إلا أن أحداً لم يأخذ هذه التصريحات على محمل الجد، ربما بسبب اعتقاد الإماراتيين إنهم في وضع يسمح لهم بالتدخل والتأثير في الوقت الملائم، ومن ثم فقد راحت الأحداث تأخذ مسارها الطبيعي دون تعقيدات.. لكن مع اقتراب موعد الانتخابات وإصرار شفيق على الترشح، اعتقاداً منه أن فرصه في الفوز تتزايد في ظل التآكل المستمر لشعبية السيسي، بدأت الأمور تتعقد وتأخذ منحى مختلفاً تماماً عن كل التوقعات ومثيراً في الوقت نفسه.
حين أحس شفيق أن إعلان ترشحه من دولة الإمارات قد يسبب لها حرجاً، أفصح عن رغبته في التوجه إلى باريس، وعندما أدرك أن السلطات الإماراتية تماطل وترفض السماح له بالسفر، وتنسق أيضاً مع السلطات المصرية، قرر تحديهما معاً، بإعلان ترشحه عبر وكالة رويترز ثم بإعلان احتجازه ومنعه في السفر في شريط مصور بثته قناة الجزيرة.. كان للخبر وقع القنبلة، وأسقط في يد السلطات الإماراتية، وذهب وزير خارجيتها إلى حد توجيه سباب علني إلى رئيس وزراء مصر الأسبق، ثم جرى ترحيله إلى مصر واستبقاء أسرته في الإمارات، وفي مصر تم إلقاء القبض عليه واحتجازه في مكان مجهول، وبعد أكثر من أربع وعشرين ساعة سمحت له الأجهزة الأمنية بمداخلة تليفونية في أحد البرامج التليفزيونية، غير أن كلامه لم يقنع أحداً وبدا متناقضاً، خصوصاً حين ذكر أنه مازال يدرس إمكانية ترشحه.
لا أستبعد عدول أحمد شفيق عن ترشحه، لكن ما لم يعلن ذلك بنفسه من دولة محايدة، وبعد إطلاق سراح أسرته المحتجزة في الإمارات، فسيظل الجميع مقتنعاً بأن النظام المصري، وبدعم من الإمارات، لا ينوي إجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة.

بقلم: د. حسن نافعة

د. حسن نافعة